//Put this in the section

العقوبات تعصف بـ”الحكومة” وعون أكثر تصلباً… باسيل “المُعاقب” كيف يرمّم موقعه السياسي لبنانياً؟

ابراهيم حيدر – النهار

لا يستطيع جبران #باسيل القفز فوق العقوبات الأميركية لاستعادة حضوره السياسي أو لتعويم وضعه، حتى مع التغيير الذي يحدث في الإدارة الأميركية. المشكلة الأولى لدى رئيس التيار الوطني الحر هي داخلية، حتى لو شرح كل يوم اسباب فرض العقوبات عليه وإعلان صموده وانتقاده لسياسات “#حزب الله”، فإذا لم يأخذ بالاعتبار أن ممارساته السياسية وطموحاته الرئاسية، وتحالفاته، فيها الكثير من الخلل وزادت من عزلته السياسية وأضعفت موقعه في البنية اللبنانية وإن كان رئيس أكبر كتلة نيابية مسيحية، لن يتمكن من العودة مجدداً بالقوة التي استند إليها مع العهد. ولا يستطيع باسيل تجاوز هذه العاصفة قبل أن يقوم بجردة حساب تقيس جدوى سياساته وتحديد الخسائر والأرباح.




ليس الأمر مرتبطاً مباشرة بالعقوبات فحسب، بل هناك انطباع لبناني عام يرى في باسيل شخصية سياسية تريد الاستحواذ على كل شيء، فإذا اراد مواجهة العقوبات عليه التصالح أولاً مع البيئات السياسية والطائفية الأخرى، ليس من موقع الإستقواء، وليس من خلال تحديد اسباب وخلفيات إدراجه على لائحة العقوبات، ومعاقبته لتمسكه بمبادئه. فهو أيضاً بتحالفاته السياسية والطائفية كان يرتكز على فائض القوة التي يمثلها “حزب الله” وانتهج سياسة أضعفت موقع المسيحيين في تركيبة النظام اللبناني.

انتهجت الإدارة الأميركية سياسة العقوبات على شخصيات لبنانية لفكفكة تحالفات “الحزب” وبدا أن باسيل الذي كان يحاول تقديم أوراق اعتماد مزدوجة قد خسر هذا الرهان، فهو بحاجة إلى “الحزب” في الداخل اللبناني لتكريس موقعه في البيئة الأقوى وفائض القوة التي تمنحه حيثيات لبنانية تقدمه مرشحاً أولَ ووريثاً للعهد، وفي الوقت ذاته كان يستند إلى حاجة “حزب الله” لتحالفه مع التيار الوطني الحر الذي يمنحه غطاء مسيحياً يضاف الى اختراقه البيئات الطائفية الأخرى. ولم تنفع الأوراق التي قدمها باسيل للأميركيين الذين رفضوا الاعتماد المزدوج، معتبرين أنه يتبع سياسات لمصلحة إيران أولاً. لكن المشكلة الأخرى التي واجهها رئيس التيار هو علاقته السيئة بقوى سياسية أخرى في الداخل اللبناني ومخاصمته لها، خصوصاً بيئة السنية السياسية وموقع وليد جنبلاط، فبدت الأمور فاقعة في ممارسته في الحكومات التي شارك فيها وأيضاً في مواجهته للقوى الأخرى، حيث جاءت العقوبات لتنزع منه قوته الخارجية، وهو ما ينعكس عليه في الداخل ويرميه في أحضان “الحزب” اقله لمرحلة غير منظورة.

كرّست العقوبات على باسيل، بغض النظر عما ستعتمده الإدارة الأميركية الجديدة للمرحلة المقبلة، وقائع سياسية جديدة، لن يكون العهد والرئيس ميشال #عون بمنأى عنها، فالامور ستتركز على علاقة عون وباسيل بـ”حزب الله” الذي وفّر الغطاء للعهد وأسس لمستقبل باسيل السياسي. أمام جبران باسيل أشهر بالغة الصعوبة، فإذا كانت العقوبات ستنعكس على تشكيل الحكومة، وعلى ملفات أخرى متصلة من بينها ملف ترسيم الحدود، فإن اي رهان بعد فوز جو بايدن بالرئاسة الأميركية لتغيير معادلات معينة ومن بينها تعطيل تأليف الحكومة، سيكون بمثابة انتحار سياسي، أو قصور في النظر إلى ما يمكن أن تحمله التطورات. وينطلق رهان باسيل من أن الإدراة الديموقراطية قد تعيد النظر بإجراءات ترامب، وتحيي الاتفاق النووي الإيراني الأميركي ما يعني تخفيف الضغط على لبنان. لكن المراهنة لا تفيد في هذا الأمر ولا تتطابق الأوضاع نفسها مع عام 2015 التي شكلت مقدمات أوصلت ميشال عون إلى قصر بعبدا، فالأسابيع المقبلة ستكون صعبة قبل أن يسلّم دونالد ترامب البيت الأبيض إلى جو بايدن، والتي ستحمل مواقف تصعيدية لن يكون لبنان مستثنىً منها. لا يعني هذا التصعيد بالتوازي مع احتمال صدور عقوبات جديدة على شخصيات لبنانية أخرى، أن هناك قراراً أميركياً بإسقاط العهد، لكن الأخير سيكون في موقف ضعيف لما تبقى من الولاية، فيما سيعمل فرقاء مسيحيون وبيوتات تقليدية ومستقلون على تعبئة الفراغ الناتج عن خسارة باسيل في الساحة المسيحية.

ولا شك في أن هذا الوضع الجديد سينعكس على تأليف الحكومة، إذ أن عون سيكب على متابعة تداعيات العقوبات ويربطها بملف التاليف، وهو ما كان لافتاً في تصريحاته الاخيرة وطلبه توضيحات من الإدارة الأميركية. كما أن رئيس الحكومة المكلف لن يكون قادراً على التفاهم مع عون، وهو سيواجه تصلباً أكبر من رئيس الجمهورية في ضوء الشروط التي وضعها الأميركيون، خصوصاً عدم تمثيل “حزب الله” وكذلك باسيل بعد العقوبات، ما يعني أن التأليف سيأخذ وقتاً مع مرحلة تصعيد متبادلة، أي أن عون لن يقبل استثناء باسيل من المشاركة في الحكومة وتمثيل “حزب الله”.
لكن التصلب العوني لن يعيد لباسيل موقعه ودوره، ولا يعطيه حوافز لإعادة ترميم علاقاته واستعادة نبضه القوي مسيحياً ولبنانياً، ما لم يُعد النظر بكل ممارساته السياسية، فهو لن يستطيع القول بعد الآن أنه الرجل القوي لأن يكون في الموقع الأول لبنانياً، بعدما كان تمكن بدعم من “حزب الله” الذي لا يزال يعتبره الحليف الأول، من أن يكون قادراً على فرض الشروط والتحكم بآلية القرار في الحكومات السابقة.

في الوضع الجديد لن يتمكن ميشال عون ولا جبران باسيل من الإستئثار، فباسيل “المُعاقب” لن يمكنه ان يتحدث رئاسياً، ولا أن يقول كلاماً في الحكومة، يوجهه الى رئيسها للالتزام به، ولا يمكنه الآن أن يتصرف أيضاً للهيمنة مسيحياً، ولا أن يتماهى مع توجهات الأمين العام العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله، ولا بناء خاصيّة له على المستوى اللبناني وتكريس نفسه موقعاً لا يتزحزح في الساحة المسيحية. أقصى ما يمكن أن يفعله هو توظيف كل ما يتاح بما تبقى في عهد رئاسة ميشال عون واستثمارها مع الرهانات الأخرى، لكنه سيكون عاجزاً في هذه السياسة على إعادة تعويم نفسه بالعزف على العصب المسيحي وانهاء أي مناهضة للتيار العوني والباسيلي.

الحليف الأول لـ”حزب الله” بدا الآن في موقف حرج في المواجهة مع الأميركيين. فإذا كانت لديه رهانات مستقبلية على ما يمكن أن تصل اليه العلاقات الإيرانية الأميركية، لن يستطيع تعويم وضعه لبنانياً ومسيحياً ورئاسياً. شرط ذلك أن يعيد ترتيب أوراقه وبناء وضعه السياسي بعيداً من المكابرة والرهانات الخاسرة، في بلد يغرق ويتهاوى…