//Put this in the section

العقوبات على جبران باسيل.. نهاية حلم رئاسي

لم يكن مفاجئاً إعلان الولايات المتحدة الأميركية، فرضها عقوبات على النائب اللبناني رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل. هذا السيناريو كان وارداً منذ أكثر من عام، حيث وصلت تحذيرات عدة إلى باسيل بشأن سلوكه الإداري والسياسي والخارجي، إضافة إلى تحالفه مع حزب الله.

وارتفعت أسهم هذا الإعلان بعد العقوبات التي استهدفت الوزيرين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس للأسباب والمعطيات نفسها، الفساد في الإدارة والحكم، وتأمين مصالح حزب الله من خلال الدولة اللبنانية، وكان واضحاً أن باسيل هو التالي.




كانت واشنطن واضحة في هدفها منذ البداية، لكن المفاجئ كان التوقيت الذي جاء “في الوقت بدل الضائع” من السباق الرئاسي المحتدم في الولايات المتحدة. وفيما كان اللبنانيون يترقبون هوية الرئيس الأميركي المقبل، لمحاولة تبيان مستقبل السياسات الأميركية تجاه لبنان والموقف من أطرافه السياسيين، جاء الإعلان عن هذه العقوبات بمثابة رسالة واضحة مفادها ان نهج الولايات المتحدة في التعامل مع لبنان سيكون ثابتاً ومستمراً بمعزل عن هوية الرئيس المقبل او سياسات حزبه الخارجية.

تتجه أنظار اللبنانيين إلى الداخل بعدما شخصت أياماً نحو الولايات المتحدة، وفي خضم صراع المرشحين للرئاسة في واشنطن، سقط واحد من أبرز المرشحين للرئاسة في بيروت، ومعه طموح سياسي لم تلبيه الممارسة، لينتهي اسم جبران باسيل معلقاً على لائحة العقوبات الأميركية سنداً لقانون “ماغنتسكي” الذي يستهدف الفساد والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم.

 

الفساد وحزب الله

يرى الباحث في معهد الدفاع عن الديموقراطية طوني بدران، أن العقوبات الصادرة بحق جبران باسيل اليوم مختلفة عن العقوبات السابقة التي طالت الوزيرين يوسف فنيانوس وعلي حسن خليل، لأنها تأتي بناء على قانون “ماغنتسكي” المتعلق بمكافحة الفساد بشكل رئيسي، في حين تتضمن بيانات العقوبات اشارة الى العلاقة التي تجمع باسيل مع حزب الله ولكن ذلك لم يكن سبب العقوبات بشكل أساسي. ” العقوبات تكشف عن السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية تجاه الوضع السياسي الداخلي، وإعلان العقوبات على باسيل في هذا التوقيت يتعلق بإبراز قدرة واشنطن على فرض العقوبات تقنياً بناء على وجود أدلة دامغة على فساد باسيل، وهذا المنطلق الأساسي للعقوبات.”

هذا الأمر أوضحه وزير الخزانة الأميركية ستيفن منوشين، تعليقاً على العقوبات المفروضة على باسيل، حيث قال إن “الفساد الممنهج في النظام السياسي اللبناني، والذي مثله باسيل، ساعد على تقويض أسس حكومة فعّالة تخدم الشعب اللبناني، ولذا فإن هذا التصنيف يوضح أن الولايات المتحدة تدعم الشعب اللبناني في دعواته المستمرة إلى الإصلاح والمساءلة”.

لكن وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو، لفت في تصريحه تعليقاً على هذا القرار إلى أن “إجراءات اليوم تستند إلى التصنيفات الأخيرة لمكافحة الإرهاب بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224 للمسؤولين اللبنانيين السابقين، يوسف فنيانوس وعلي حسن خليل، الذين قدّموا المصالح الشخصيّة ومصالح  حزب الله المدعوم من إيران، على مصلحة الشعب اللبناني”، معتبرا أن “باسيل ومن خلال أنشطته الفاسدة، قوّض الحكم الرشيد وساهم في نظام الفساد السائد والمحسوبية السياسية التي ابتلي بها لبنان، والتي ساعدت وساهمت بأنشطة حزب الله المزعزعة للاستقرار”.

بالمعنى السياسي، تقدم الولايات المتحدة نفسها اليوم على أنها في صف اللبنانيين ضد كامل النظام السياسي الفاسد في لبنان، باسيل وغيره، على اعتبار أن أي فساد في لبنان سيصب تلقائياً في خدمة مصلحة حزب الله الذي يستفيد من إضعاف الدولة، ولكن ليس الأساس في هذه العقوبات استهداف حلفاء حزب الله السياسيين بشكل مباشر وإنما الفاسدون منهم تحديداً.

وأكبر مثال على ذلك، بحسب ما يقول بدران: هو سليمان فرنجية المعروف في تحالفه السياسي مع حزب الله، وهو المرجع السياسي للوزير الأسبق يوسف فنيانوس الذي فرضت عليه واشنطن عقوبات في سبتمبر الماضي. وبالرغم من ذلك لم يتردد مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد شينكر في زيارة فرنجية فيما لم يلتق باسيل خلال الزيارتين التي قام بهما إلى لبنان.

 

البعد القانوني

يفسر المحامي والباحث في القانون الدولي علي زبيب، طبيعة هذه العقوبات، حيث يرى انه حتى ولو كانت هذه العقوبات أميركية فإن ارتداداتها ومفاعيلها ستكون دولية، فهي صادرة وفقاً للقوانين الأميركية، “وبالتالي ليس هناك إلزاماً على أي دولة بما فيهم لبنان تطبيقها بحكم القانون، ولكنها في الواقع تفرض أخذها بعين الاعتبار عالمياً، فلا المصارف اللبنانية قادرة على المخاطرة بقطع علاقاتها مع المصارف المراسلة الأميركية، ولا أي مصرف دولي او شركة تجارية تتجرأ على التعاطي مع شخصية عليها عقوبات، وبالتالي عندما يتم وضع شخص على لائحة العقوبات كما هو الحال مع جبران باسيل، ذلك يعني انه اخرج من النظام المالي العالمي بشكل كلي، ولا يحق له التعاطي بأي حسابات او عمليات تجارية ويطال ذلك أصوله وفروعه وفق آلية معقدة.”

ويستبعد زبيب أن يتأثر التيار الوطني الحر كجسم سياسي بهذه العقوبات، حيث تطال باسيل بشخصه وأصوله وفروعه ولا تطال قانونياً التيار الوطني الحر الذي يحمل صفة معنوية وحساباته مفصولة عن باسيل، وإنما بالسياسة كل شيء قابل لأن يتأثر بمفاعيل هذه العقوبات، ” من معرفتي بالتيار الوطني الحر أتوقع انه سيعمد إلى استنفار جميع الوسائل القانونية المتاحة وسيبذل مجهود كبير في القانون لملاحقة هذه القضية واستئناف القرار، وهذا ممكن قانونياً اذا ما اعتمد على علاقاته الدولية وما لديه من محامين ومستشارين قانونيين، ولا يمكن أن ننسى أن باسيل ومن خلال منصبه في وزارة الخارجية، نجح في إقامة شبكة علاقات دولية تمتد حتى داخل الولايات المتحدة، حتى أن سفير لبنان في واشنطن محسوب على التيار الوطني الحر سياسياً، وبالتالي يمكن تشكيل لوبي ضغط كبير قانوني وسياسي من اجل التعامل مع هذا القرار والتخلص من مقصلة العقوبات.”

الحلم السياسي

يرى النائب السابق عن تيار المستقبل، أحمد فتفت، أن العقوبات الأميركية على باسيل اليوم لها عنوانين الأول سياسي وهو التحالف مع حزب الله ودعمه، والعنوان الثاني هو الفساد “حيث بات جبران باسيل مكشوفاً أمام العالم كله”.

ويضيف في تصريحه لموقع الحرة: “اليوم نحن أمام واقع جديد، وأمام لبنان يحتاج إلى أفضل العلاقات مع أكبر عدد ممكن مع دول العالم والدول العربية بالتحديد من أجل انتشاله من أزمته الاقتصادية، وبالتالي، ابتداءا من هذه اللحظة أي تعاطي مع جبران باسيل كواقع سياسي يعني مزيد من الانقطاع عن العالم وانقطاع عن دعم لبنان ليس فقط بالنسبة للولايات المتحدة وإنما أيضاً على الصعيد الأوروبي والعربي.”

“لا يمكن اليوم وضع شخصية عليها هذا النوع من العقوبات في مراكز او مناصب او في موقع مسؤولية كوزير أو رئيس مثلا”، يؤكد زبيب، وأبرز الأسباب “انه لم يعد يستطع التواجد على الأراضي الأميركية، ويتم الغاء تأشيرات دخوله، والمخيف أكثر ان أميركا اليوم قادرة على اتخاذ قرار بناء على قوانينها ذات الطبيعة العابرة للحدود (extraterritorial) ما يعني أن الولايات المتحدة قادرة أن تقول أن كل من يتعامل مع شخص مدرج على لوائح العقوبات سيتعرض للعقوبات، وبالتالي أي دولة في العالم أو مؤسسة أو وزارة لن تخاطر بالتعامل مع وزير مدرج على لائحة العقوبات.”

يتابع زبيب: “من هنا، نعم يمكن الحديث عن القضاء على المستقبل السياسي لباسيل في المرحلة المقبلة. كذلك الأمر بالنسبة لطموحه الرئاسي حيث لا يمكن تخيل رئيس للبلاد مدرج على لائحة العقوبات الأميركية، هذا الأمر مدمر محلياً ودولياً وسيكون رئيساً معزولاً عن العالم”.

ويضرب فتفت مثلا برئيس كوسوفو الذي اضطر للاستقالة بعد اتهامات دولية وجهت له، وأصبح بعد 48 ساعة في واقع آخر، للقول بأن “حلم الرئاسة بالنسبة لجبران باسيل انتهى قبل أن يبدأ، إذ لا يمكن أن يكون لديه طموحات بهذا المستوى، فيما ممارساته في مستوى آخر نقيض كلياً، الشعب اللبناني اكتشف ذلك من قبل، ومنذ بداية الثورة كان واضحا الاستهداف الشعبي الخاص لجبران باسيل، وعليه لم يكن هذا الحلم قابلا للتحقيق منذ البداية ولم يكن جبران باسيل مؤهلاً أصلا لهذا النوع من الطموحات السياسية، نتيجة مراكمته للأخطاء القاتلة في الداخل اللبناني قبل أن يصل إلى الخارج حيث نسف العديد من علاقات لبنان الدولية بسلوكه.”

ويتابع: “الأمر نفسه بالنسبة للتوزير، فتوزير شخصية تطالها العقوبات يمثل تحدٍ للعالم كله والمجتمع الدولي، وعملياً سينعكس ذلك على فرص لبنان لاسيما مع صندوق النقد الدولي الذي يتخذ قراراته بناء على عدة معطيات مالية واقتصادية، وسياسية أيضاً. وبالتالي حين يعرض أحد نفسه لتولي مسؤولية عامة في البلاد عليه أن يكون مؤهلاً لتأمين مصالح البلاد هل جبران باسيل اليوم مؤهل لتأمين مصالح لبنان؟”

هل يتأثر تشكيل الحكومة

يؤكد فتفت أن هذه العقوبات ستؤثر لا شك على مسار تأليف الحكومة الجديدة برئاسة الحريري في لبنان، و”الأمر كله يتعلق بسلوك التيار الوطني الحر في الأيام المقبلة، خاصة إذا ما حاول التعويض سياسياً عن هذه العقوبات من خلال محاولة تحقيق مكتسبات معنوية في الحكومة وهذا يعني مزيد من العرقلة. ولكن إذا ما أثر التيار الوطني بالعودة إلى أصول تشكيل الحكومات والتي أعلنها سعد الحريري، هذا يعني العودة إلى حكومة اختصاصيين وهنا لا مشكلة، ولكن التجربة تقول إن جبران باسيل شخصية عنيدة وشرسة وسيحاول الضغط للعب دور أكبر والتعويض بشكل غير مباشر في السياسة، ولكن فات الأوان اليوم لهذا التعويض.

يتوقع فتفت أن تتأثر شعبية باسيل والتيار الوطني الحر على الساحة المسيحية في لبنان، ويستبعد أن ينجح في شد العصب المسيحي من حوله بعد هذه العقوبات، ويوضح أن “العصب المسيحي يشتد لمصالحه الحقيقية التي تقوم بقيام مصلحة لبنان بالدرجة الأولى من خلال نهضة اقتصاده قوية، وباسيل غير قادر على تأمينها بعدما نسف كل علاقاته الدولية والعربية ورمى مصلحة لبنان في حضن إيران المنهارة اقتصادياً أيضاً، وبالتالي فإن المكون المسيحي الذي يعتبر عصباً رئيسياً للاقتصاد اللبناني والقطاع المصرفي والتربوي والصحي، لن يشتد لصالح سياسة باسيل في مساندة حزب الله ومصالحه، فيما حزب الله يبيع الناس وهماً ليتورطوا معه وحين يغرقون يغرقون لوحدهم”، خاتماً أن “حزب الله متضرر أول من هذه العقوبات التي تستهدف حلفاؤه، لاسيما بالنسبة للغطاء المسيحي الذي يؤمنه له تحالفه مع التيار الوطني الحر”.

ويشدد على أن “رسالة الأميركيين اليوم كانت واضحة من خلال اتهام وإدانة باسيل بالفساد وليس من خلال علاقته مع حزب الله، ولو غمزوا من هذه القناة، ولكن لم يكن هناك أي نوع من الاتهام. وهذا أكثر قلقاً لأن الرسالة بهذه الحالة مفادها أن هذه العقوبات هي أول الغيث، فيما قد تحمل المرحلة المقبلة خيارات أخرى من بينها استهدافه بقانون منع التمويل الدولي لحزب الله (هيفبا) استناداً إلى العلاقة والتحالف بين باسيل والحزب وهذا يدمغ إسم باسيل بالإرهاب وهذا أمر مدمر كلياً وعلى كافة الأصعدة.”