//Put this in the section

سمير جعجع قائد القوات اللبنانية الحائر أمام الحلف الرباعي الجديد

صلاح تقي الدين – العرب

لا تبدو القرارات الأخيرة التي اتخذها رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع صائبة إلا من وجهة نظر شعبوية ضيقة موجّهة إلى أنصاره. فهو لم، كما يقال في لبنان اليوم، يترك “للصلح مطرح” مع أيّ من القوى السياسية التي كان حليفاً لها، من “الكتائب” إلى “تيار المستقبل” و”الحزب التقدمي الاشتراكي”، هذه التحالفات التي ساهمت في إعادة “القوات” إلى الخارطة السياسية بعدما كان قرار حلّها وتركيب ملف إدخال جعجع إلى السجن قد اتخذ خلال حقبة الوصاية السورية على لبنان، ولم يعد لها متنفّس إلا بعد خروج تلك الوصاية على دم الرئيس الراحل رفيق الحريري وخروج جعجع من السجن وتشكيل جبهة قوى “14 آذار”.




البحث عن اللبناني القوي

عوضاً عن  الالتزام بهذا التحالف، ذهب جعجع بعيداً في خيارات اتخذها بهدف تركيز وضعيته في “شارعه المسيحي” بدل الانتقال إلى مساحة الوطن الذي انفتح أمامه بتحالفه مع “السنيّ القوي” و”الدرزي القوي” و”شهر العسل” الذي نسجه مع “الشيعي المعتدل”، ناهيك عن تبنيه الخاطئ والقاتل لخيار ترشيح منافسه الأول والأخير ميشال عون إلى الرئاسة.

واليوم يجد جعجع نفسه معزولاً بفعل “إراديّ” لم يجبره أحد على اتخاذه، بل انطلق من حسابات تهدف إلى الاستمرار في تعزيز حضوره في الشارع المسيحي بهدف بعيد المنال وهو تصوير نفسه على أنه “الأقوى” مسيحياً ليصل إلى كرسي بعبدا في استنساخ للنهج الذي اتبعه ميشال عون عند تبرير ترشحه إلى الرئاسة.

لقد شكّل جعجع في مرحلة تحالف “14 آذار” ركيزة أساسية في مشروع رفع هيمنة الوصاية السورية عن لبنان ومواجهة الوصاية الجديدة الإيرانية المتمثلة في “حزب الله” فكان رأس حربة هذه القوى في المطالبة بنزع السلاح غير الشرعي للحزب والسعي حثيثاً لتثبيت مداميك الدولة ومؤسساتها الشرعية، غير أن هذه الاندفاعة سرعان ما اصطدمت بحائط الاستحقاقات الدستورية التي أرخت أمام عيني “الحكيم” غشاوة لم يستطع إزالتها فكلّلت مواقفه بأخطاء استغلها خصومه وحلفاؤه على السواء.

وبعد انضمامه إلى التحالف الرباعي الشهير الذي خاض معه استحقاق الانتخابات النيابية في العام 2005 وتمكّنه من إيصال كتلة نيابية للمرة الأولى باسم “القوات اللبنانية” إلى الندوة البرلمانية، كان التناغم في العمل البرلماني واضحاً بين أعضاء هذا التحالف كما في العمل الحكومي الذي اشترك فيه من خلال وزير السياحة جو سركيس الذي عيّن في الحكومة التي شكلها الرئيس فؤاد السنيورة.

غير أن الأمور تفلّتت من عقالها عقب انتهاء الولاية الممددة للرئيس السابق إميل لحود في العام 2007 ودخول البلاد في مرحلة انتخابات رئاسية تعطّلت بسبب ترشيح “حزب الله” للعماد ميشال عون إلى الرئاسة وهو ما كان مرفوضاً جملة وتفصيلاً من قبل تحالف “14 آذار” الذي كان يبحث عن أسماء مرشحين آخرين ومن بينهم جعجع نفسه. ثم خرجت الأوضاع عن السيطرة بعد غزوة “اليوم المجيد” في الـ7 من مايو 2008 على ما وصفه السيد حسن نصرالله واحتلت ميليشياته بيروت بسهولة فيما فشلت في فرض سيطرتها على الجبل، فكانت التسوية التي تم على إثرها انتخاب العماد ميشال سليمان قائد الجيش السابق رئيساً للجمهورية.

وشهدت تلك المرحلة انفتاحاً عربياً وخليجياً على جعجع الذي قام بزيارات اتسمت بحفاوة بالغة إلى المملكة العربية السعودية ومصر، لكن يبدو أن هذا الانفتاح أثار لاحقاً تساؤلات كثيرة حول حقيقة المواقف التي انتهجها جعجع وسببت الشرخ الذي أصاب علاقته بحلفائه في “14 آذار” وتحديداً الرئيس سعد الحريري.

كان إعلان رئيس “الحزب التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط الابتعاد عن تحالف “14 آذار” واتباع نهج الوسطية قد ساهم في “ضعضعة” هذا الفريق وترك الساحة لجعجع الذي بدأ يعدّ العدة ليكون “قائداً” لهذه القوى والتخطيط لمرحلة البحث في قانون انتخابات جديد يخوض على أساسه استحقاق الانتخابات النيابية في العام 2009 وتعزيز حضوره “المسيحي” بمواجهة عون و”التيار الوطني الحر”.

الندم على اتفاق معراب

بدأت التباينات الواضحة بين ما يضمر جعجع وما يعلنه، وبين ما يريده حلفاؤه المفترضون. غير أن الظروف السياسية لم تكن مواتية لإقرار قانون انتخابات جديد، فتم خوض معركة الانتخابات النيابية في العام 2009 على أساس الانقسام العمودي نفسه الذي كان سائداً بين فريقي “14 آذار” و”8 آذار” وتمكنّت من خلاله القوى “السيادية” من الفوز بالغالبية النيابية والتحضير لمعركة الانتخابات الرئاسية المقررة في العام 2014، خصوصاً أن مجلس النواب الذي فشل في تمرير قانون انتخابي جديد أقر بالمقابل إطالة عمر مجلس النواب إلى منتصف العام 2014 أي أنه سيكون المجلس الذي ينتخب رئيس الجمهورية الجديد.

ومع اقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي الجديد وتمسّك فريق “8 آذار” بترشيح ميشال عون إلى الرئاسة، تمسك فريق “14 آذار” بترشيح جعجع بالمقابل، غير أنه مع دخول البلاد في أزمة فراغ رئاسي استمر سنتين ونيف، وبعد مفاوضات علنية ومباشرة ومن تحت الطاولة أجراها كل من الفرقاء المعنيين بدأت الأخطاء تتراكم وتوجها جعجع بعقد “اتفاق معراب” الذي تبنّى من خلاله ترشيح عون بعدما كان الحريري أجرى مفاوضات مع سليمان فرنجية المرشح الرئاسي الدائم أعلن فيه دعمه لوصول الزعيم الشمالي كحلّ للمأزق الرئاسي، خصوصاً أن فرنجية محسوب على فريق “8 آذار” وبالتالي قد يكون نقطة الحل الوسط أمام التعنّت الذي يبديه “حزب الله” بتمسكه بترشيح عون.

لكنّ حسابات جعجع الشخصية “المسيحية” كانت الدافع وراء التنازل عن ترشيحه إلى الرئاسة لعون نظراً “للعداوة” المستفحلة بينه وبين فرنجية، فلكي لا يصل فرنجية إلى بعبدا، ذهب جعجع نحو ترشيح عون ودعّم وصوله إلى بعبدا، وهو اعترف بهذا الأمر منذ فترة قريبة في معرض رده على سؤال حول “ندمه” من هذا الخيار فأقر بذلك.

وخلال تلك الفترة وبعد تسريب بنود “اتفاق معراب” الذي انقلب عليه جبران باسيل أولاً، والكشف عن النقاط التي تضمنها وشكّلت إحراجاً كبيراً ليس لجعجع وحده بل لعون أيضاً، ذهب جعجع في محاولة لإعادة تصحيح وضعه أمام “قاعدته” فعقد لقاء مصالحة مع فرنجية علّه بذلك يعوّض ما خسره من مواجهة باسيل وعون، لكن الأمور بين القاعدتين “الزغرتاوية” و”البشرانية” لا تزال على ما كانت عليه وإن خفّت حدة المواجهات المباشرة بينهما.

والمناقشات السياسية التي كانت تدور حول شكل القانون الانتخابي الجديد الذي يجب على أساسه إجراء الاستحقاق النيابي في العام 2019، كانت الخطأ التاريخي الثاني الكبير الذي يرتكبه جعجع من خلال الإصرار

على القانون العجيب الذي أقر بعدما رأى فيه مصلحة “ذاتية” تزيد من رصيده النيابي وذهب في الاتجاه المعارض لحليفيه التقليديين جنبلاط والحريري فقط لكي يربح حفنة إضافية من المقاعد في مجلس النواب، والغريب أنه لا يزال يعارض بشراسة أيّ محاولة لتعديل القانون الانتخابي المسخ. وقد وجد نفسه رغم المطالبات الكبيرة بتعديل القانون وإجراء انتخابات نيابية مبكرة، يؤيد فكرة الذهاب إلى الانتخابات المبكرة شرط خوضها بموجب القانون الحالي ظناً منه أنه سيزيد من عدد النواب “القواتيين” في المجلس بسبب تراجع “الشعبية المسيحية” لمنافسه السياسي والرئاسي جبران باسيل.

نظافة الكف

عقب اندلاع انتفاضة الـ”17 من أكتوبر” الشعبية وجد جعجع نفسه مع موجة الثورة تارة، من خلال المشاركة في قطع الطرقات والتظاهر بواسطة أنصاره في المناطق التي يتقاسمها مع باسيل في المتن وكسروان، وتارة من خلال تبني مطالب “الثوار” بالاقتصاص من السياسيين “كلن يعني كلن” واضعاً نفسه خارج إطار المحاسبة رغم مشاركته في السلطة منذ العام 2005. لكن الحقيقة أن ممارسة نواب “القوات” ووزرائه لم تشبها شائبة فساد أو صفقات مطلقاً وهذا أمر يسجّل لهم.

وبعد استقالة حكومة الرئيس الحريري في خريف العام الماضي رفض جعجع تسميته لرئاسة الحكومة مجدداً ولم يسمّ حسان دياب الذي شكّل حكومة “عجيبة غريبة” لم تعمّر أكثر من ستة أشهر استقالت إثر الانفجار الزلزالي الذي أصاب مرفأ بيروت في الـ4 من أغسطس الماضي، ولم يسمّه مرة ثانية ولم يقبل بتسمية المرشح الذي اختاره الحريري وهو السفير مصطفى أديب وهذا برهان واضح على تردّي العلاقة مع من كان أقرب حلفائه حتى فترة ليست ببعيدة.

ثم كانت القشة التي قصمت ظهر البعير عندما رفض تسمية الحريري إلى رئاسة الحكومة بعد أن رشّح الأخير نفسه لتنفيذ مضمون المبادرة الفرنسية التي أعلنها الرّئيس إيمانويل ماكرون وإعلان جعجع عدم المشاركة في الحكومة العتيدة.

يتساءل الشّارع اللبناني اليوم: أين هو جعجع؟ يقولون إنه وحيد “لا مع ستّي بخير ولا مع جدّي بخير“ وفق المثل الشعبي. خلاف عميق مع العهد ومع باسيل، وتباعد في المواقف خصوصاً الانتخابية مع جنبلاط، وعداء مستجد مع الحريري ناهيك عن أزمة ثقة كبيرة مع ”الكتائب”.

الكل في مركب وجعجع في مركب آخر. أحلامه الرئاسية قد تتكسّر مرة جديدة عندما يحين الاستحقاق الرئاسي التالي ويجد النواب أنفسهم أمام خيار من اثنين: باسيل أو فرنجية ولا إمكانية لورود اسمه في المنافسة. جعجع يعلّل كل مواقفه بالثوابت والمبدئية، لكن ذلك لا يبرر العزلة التي فرضها على نفسه ولم يدفعه إليها أحد.