//Put this in the section

تركيا والعالم الجديد متعدد الأقطاب – توران قشلاقجي – القدس العربي

بدأ الهيكل السياسي للعالم في التبلور بالفعل، بعد نقاش استمر وقتًا طويلًا حول كيفية حدوث ذلك، فقد اتضح أن العالم سوف يتطور إلى كون متعدد الأقطاب إثر أزمات اقتصادية وسياسية مرّت بها الولايات المتحدة، التي ترى نفسها «زعيم العالم» أو زعيمة العالم أحادي القطب. وفي خضم ذلك، اتهم اثنان من المرشحين الرئاسيين في الولايات المتحدة بعضهما بعضا، قبل الانتخابات، بالميل إلى الروس أو الصينيين، ما شكّل اعترافًا بأن العالم تحوّل إلى عالم متعدد الأقطاب.
يشهد العالم تغيرات كبيرة، ليس فقط في المجال السياسي، بل أيضًا في مجال الدفاع. وفي هذا الصدد، خضع مفهوم الدفاع لدى الولايات المتحدة إلى تغيير عالمي، ففي حديثه أمام المجلس الأطلسي الذي يتخذ من واشنطن مقراً له، في أكتوبر، صرّح وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر، بأن الولايات المتحدة قامت بتجديد علاقاتها مع شركائها وحلفائها، في ظل تنافس تخوضه مع روسيا والصين على القوة العظمى. البعض قرأ تصريح إسبر على أنه «إعلان عن حرب باردة جديدة». لقد انتقلت الولايات المتحدة إلى نظام دفاعي جديد مع المبادرة العالمية، كذلك وضعت بريطانيا أهدافًا ومناطق صراع جديدة في مجال الدفاع. في المقابل، أضافت الصين إلى ذلك القطب الشمالي والفضاء والمجال الإلكتروني.

رد فعل الرئيس أردوغان على ماكرون والرسوم الساخرة، لأنه قائد أمة، في الوقت الذي فضل فيه قادة العديد من الدول الإسلامية الصمت




بدورها، ذهبت تركيا إلى إجراء تغييرات كبيرة في مجال الدفاع، بادئ ذي بدء، قررت إنتاج كل ما تحتاجه في هذا المجال بنفسها، ولا شك في أن نجاح تركيا اليوم في العديد من المجالات الميدانية، يكمن في الأسلحة التي أنتجتها بنفسها. لقد أدى «عامل القوة» دوراً محورياً في تأسيس الجمهورية التركية، الذي احتفلت البلاد بذكراه الـ97 خلال الأسبوع الماضي. لم يكن من الممكن تأسيس دولة الجمهورية التركية لولا تضحية الأمة التركية، في القتال من أجل إنهاء الاحتلال الأجنبي لأراضيها عام 1919، ولو لم تنته هذه الحرب بالنصر، لكانَت هذه الأراضي متروكة تحت رحمة المعاهدات المصاغة وفقًا لرغبات الدول الكبرى، ورحمة أنظمة الانتداب. وباتت تركيا اليوم أقوى وعدد سكانها أكثر، ودورها الريادي أوسع مما كانت عليه قبل 100 عام.
«النصر للأقوى» هي عبارة تلخص بمفردها واحدة من النتائج التي يمكن استخلاصها من الحرب التي يشهدها إقليم قره باغ الأذربيجاني منذ شهر. نجحت أذربيجان بقوة عسكرية متفوقة في استعادة جزء واسع من أراضيها التي خسرتها قبل 26 عامًا لصالح أرمينيا. ولو انتظر الجانب الأذربيجاني أرمينيا كي تنهي احتلال قره باغ بنفسها، لكانت أعوام طويلة أخرى قد مرت بلا جدوى، تمامًا كما حصل في ربع القرن الماضي. في غضون ذلك، دعونا نتطرق إلى الاحتكاك الحاصل بين أنقرة وباريس الذي أحدثته الخصومة والتوتر المتصاعِدان مؤخرًا بسبب «حادثة الرسوم الكاريكاتيرية» الأخيرة. تحجج ماكرون بـ»حرية التعبير» بشأن الرسوم الكاريكاتيرية المثيرة للدهشة بحق سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) والرئيس أردوغان، ما أدى إلى تأجيج الوضع بكامله، مجسدًا «صب الزيت على النار» كما يقال بالفرنسية. ألا يدرك ماكرون بأن الاستهزاء بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وتوجيه إهانات بطريقة غير اخلاقية للرئيس أردوغان، تصرفات لا يمكن تبريرها عبر «حرية التعبير» وأنها تندرج ضمن فئة «جرائم الكراهية»؟ ألا يأخذ بعين الاعتبار أن الكلمات التي تبرر هذه الرسوم الكاريكاتيرية ستثير سخطًا كبيرًا أيضًا ضد فرنسا؟ لحسن الحظ، ظهر ماكرون أخيرًا قبل يوم مستيقظًا إلى حد ما، بعد الانتقادات ورد الفعل العنيف الذي واجهه من شخصيات بارزة كثيرة في بلاده، بما في ذلك رجال الدين الكاثوليك. ففي حواره الأخير، غيّر موقفه قليلًا وقال إن الرسوم الكاريكاتيرية لا تعكس موقف الحكومة، دعونا نرى ما إذا كان ماكرون سيواصل هذا النهج؟
من ناحية أخرى، من بين أسباب رد فعل الرئيس أردوغان على ماكرون والمجلة التي ترسم الرسوم الساخرة، هو أنه يعد من قادة الأمة، في الوقت الذي فضل فيه قادة العديد من الدول الإسلامية الصمت، ووقف البعض مع الأسف إلى جانب ماكرون. ومما لا شك فيه أن هؤلاء يجرون أنفسهم وبلادهم إلى هاوية كبيرة وخطيرة، من أجل سياسات ومصالح يومية بسيطة لا قيمة لها، لأنهم لا يجيدون السياسة ولا يعرفون ما تتطلبه قيادة الدولة الإسلامية في ظل عالم متعدد الأقطاب.