//Put this in the section

الحريري المفلس الذي بدّد ثروته.. لانتشال لبنان من انهياره!

نادر فوز – المدن

كأحجار دومينو، تساقطت أجزاء إمبراطورية الرئيس سعد الحريري المالية. آخر هذه الأحجار شركة “أوجيه ميدل إيست هولدنغ”، التي أعلنت أمانة السجل التجاري في بيروت حلّها بتاريخ 27 تشرين الأول الماضي، بناءً على قرار الشركة الصادر بتاريخ 13 كانون الأول 2019. مؤسسة تلو أخرى، يخسرها الحريري تباعاً منذ عام 2011. تراكمت الديون حوله، وتوقفت أعمال شركاته لأسباب مختلفة، منها السياسي ومنها سوء الإدارة، ومنها الأزمة الاقتصادية. فتشرّدت آلاف العائلات في بلدان مختلفة، وتم إعلان أفول نجم إمبراطورية سعد الحريري. سقطت أكبر شركاته في المقاولات، تخلّى عن أكبر استثماراته في الاتصالات والحصص المصرفية، فدمّر ما تبقى في عهدته. انهارت مؤسساته، وصرف آلاف الموظفين لا تزال تعويضاتهم المالية معلّقة في هواء الوعود.




مهام الشركة
وحسب ملفات السجل التجاري، تم تسجيل شركة “أوجيه ميدل إيست هولدنغ” في بيروت في كانون الثاني 2004، برأس مال بلغ 100 مليون دولار. وفي تعريف عمل الشركة، فهي تملك أسهماً وحصصاً في شركات مغفلة أو محدودة المسؤولية، لبنانية وأجنبية، قائمة أو اشتركت بتأسيسها. فتدير الشركة هذه الحصص وإدارات المؤسسات والمشاريع التي تعمل فيها، وتعمل على تأمين القروض لها. بمعنى آخر، هي شركة مشغلّة، لحصص وأسهم في شركات أخرى، رئيس مجلس إدراتها سعد الحريري، وشركة “سعودي أوجيه” تملك مطلق الأسهم فيها. ومن مؤسسيها وأحد ملكة الأسهم فيها وليد السبع أعين، المسؤول المالي في مكتب الرئيس الحريري. ومن مؤسسيها أيضاً هدى سعد ومحمد النقيب وبسيم كنعان.

في سيرة الإفلاس
قبل ثلاثة أعوام، باعت عائلة الحريري حصة “أوجيه ميدل إيست هولدنغ” في البنك العربي، فانتفى عمل الشركة أساساً، إذ كانت هذه الحصة من الحصص الاستثمارية الأهم للعائلة. وكان هدف الرئيس سعد الحريري من بيع هذه الحصة، محاولة لإعادة تعويم شركة “سعودي أوجيه” بعد تراكم الديون عليها في السعودية، نتيجة تأخير دفع مستحقاتها من جهة، وتوقّف حصولها على استثمارات جديدة من جهة أخرى. كما كانت “سعودي أوجيه”، سبباً أساسياً في بيع الحريري لأسهم وحصص استثمارية كبيرة في شركات أخرى، منها شركات اتصالات ومقاولات في أوروبا وأفريقيا، بهدف تمويل مشاريع الشركة السعودية.

ملياردير سابق
عام 2019، سقط الرئيس سعد الحريري عن لائحة “فوربس” لأغنى أغنياء العرب. كانت المرة الأولى التي لا يرد فيها اسم الحريري على هذا الجدول منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتوزيع إرثه على الأبناء عام 2005. سقط اسم سعد الحريري عن اللائحة، وبقيت أسماء أخوته، بهاء وأيمن وفهد. باتت ثروة الحريري أقل من مليار دولار، في تراجع تدريجي منذ عام 2010. ورث ملياراً و200 مليون دولار عام 2005، حوّلها إلى 4.1 مليار بظرف سنة واحدة. وعاش في ترنّح مالي ابتداءً من عام 2007 وحتى 2010، فتفاوت حجم ثروته بين 3.3 مليارات و1.4 مليار دولار. واستمرّ الترنح، تراجعاً في العقد الثاني من الألفية، حتى اختفى عن اللائحة.

مسؤول الانهيار
كان لهذا المسار انعكاساً فعلياً على المؤسسات الخدماتية الخاصة بتيار المستقبل، في دعم الطلاب والمنح الدراسية والمؤسسات الإعلامية التي حوَت آلاف الأصوات الانتخابية. أقفل الباب على كل ذلك، وبقيت محطة إذاعية تعاني صرف الموظفين وموازنة متهالكة ومصرف متهالك كغيره من المصارف اللبنانية. المسؤول الأول عن كل هذا المسار، الرئيس سعد الحريري، في سوء إدارته وقلّة متابعته وثقته العمياء بمحيطين به بدّدوا مشاريع وهدروا أموالاً أخرى. وضع بعض هؤلاء على دكّة الاحتياط، ولم يتغيّر شيئاً. باع الحصص ولم ينجح. استدان بالـ”يوان” الصيني، ولم يفلح. وعدا الأزمة الاقتصادية العالمية التي ضربت العالم بين أعوام 2007 و2009، خرج قرار التصفية السياسية لسعد الحريري سعودياً، مع إحكام ولي العهد محمد بن سلمان قبضته على الحكم. توقّف الدعم السياسي المالي المباشر، توقّفت المشاريع مع امتناع عن دفع المستحقات. فسقطت الإمبراطورية، رهناً بالظروف السياسية والشخصية والاقتصادية.

مخرج التسوية
بعد هذا السقوط الفعلي الذي بدأ عام 2016، اتّجه الرئيس الحريري إلى خيارات أخرى منها التسوية السياسية في البلد، التي أتت بالرئيس ميشال عون إلى الرئاسة. فلم يفهم كثيرون سبب هذا التفاهم الذي غلّفه الحريري نفسه بورقة “مصلحة البلد” كما يفعل دائماً. لكن تحت قشرة الغلاف هذه، سعي فعلي لتثبيت موقعه السياسي من جهة، والعودة إلى سكّة الحكم التي تقود أيضاً إلى استثمارات وتنفيذ مشاريع تدرّ المال إلى الجيب. فاستبق الحريري كل هذا السيناريو، يوم إعلانه ترشيح عون في 20 تشرين الأول 2016، بالقول: “أنفقت كل ما ورثته دفاعاً عن حلم من أورثني”. اعترف بالفشل بشكل علني. وقال يومها إنّ “الثروة ذهبت حماية للثورة على العنف وعلى الكيدية وعلى الأحقاد”.

للمفارقة، أوصلت التسويات العربية والدولية الرئيس رفيق الحريري إلى الحكم بعد حركة احتجاجات كبيرة في الشارع. فجاء عام 1992 كرجل إنقاذ. في حين أنّ سعد الحريري خرج من الحكم عام 2019، باحتجاجات تسأل الإنقاذ. وبين بداية الحريري الأب ونهاية الحريري الابن، احتجاج دائم وتوسّل للتغير والخلاص لم ينته، وربما لم يبدأ جدياً بعد. أطاحت الثورة بسعد الحريري من رئاسة الحكومة، ليعود اليوم إلى منصبه شكلياً. بدّد ثروة، لم ينجز ثورة. تجرّع سماً إضافياً كما قال. فشل في إدارته مؤسساته، خسر أموال ميراثه، وهدم جزءاً كبيراً من امبراطورية مالية لم تغب عنها الشمس، من أميركا إلى آسيا مروراً بأوروبا وأفريقيا. فشل في إدارة الأعمال التي يحمل فيها إجازة من جامعة جورج تاون في واشنطن. واليوم، قيل إنه متخصّص في رئاسة الحكومة. فشل بهذه المهمة سابقاً، مرّتين. أخرج من هذا المنصب مقالاً مرةّ ومستقيلاً مرة أخرى. هو شبح رجل أعمال، شبح رئيس حكومة، شبح وريث رفيق الحريري. وهذا الشبح، الذي فشل في إدارة أمواله وقاد مؤسساته إلى الهلاك وشرذم مشروعاً سياسياً، يطلب من اللبنانيين الثقة به لإدارة أزمة في بلد منهار ومفلس. كأننا في مسابقة تحدٍ. في فيلم، في سيناريو معروفة خلاصاته قبل أن ينطلق مشهده الأول، سيضحك في آخره المتفرّج ضحكاً أسود ومرّاً.