//Put this in the section

هل في مقدور باسيل بنهجه الاعتراضي ان يضمن خروج “العونية ” من ازمتها ؟

ابراهيم بيرم – النهار

هل “العونية السياسية ” قد الت الى وضع مازوم يداني حال الافول الوشيك كما يزعم خصومها الكثر و يقر بذلك بعض حلفائها وباتت تتخبط وتصعد وتعرقل وتعطل ؟




لايمكن اي مراقب ان ينكر ان الاداء السياسي للحالة العونية بشقيها العهد الرئاسي والتيار الوطني الحر برئاسة الشخصية الاقوى فيه النائب جبران باسيل ولاسيما في موضوع استيلاد الحكومة الرابعة المنتظرة للرئيس سعد الحريري ، واسلوب التعامل التعقيدي معه يوحي بان التيار البرتقالي الذي كان في يوم من الايام كاسحا في شارعه ورقما صعبا لايستهان به على المستوى الوطني العام ، واعلن رئيسه ذات سفرة في الخارج وبثقة زائدة بالنفس انه في صدد ان ينسي المسيحيين اثنين ممن يعدوهما ابرز رموزهم التاريخية وهما الرئيسان كميل شمعون وبشير الجميل ، لايعيش اطلاقا اسعد ايامه وانه استطرادا مضطر ان يبذل جهودا استثنائية لكي يبقى محافظا على حضوره ويبقى حاجزا لنفسه حيزا في المعادلة السياسية غير المستقرة .

من المؤكد ان باسيل يوم وقف امام الكاميرات ليطلق من خارج كل الحسابات وعده الطموح ذاك في جراة قاربت حد المغامرة واطلاق قفاز التحدي في وجه الجميع الخصوم والحلفاء على حد سواء كان في ذروة صعوده وارتقائه السياسي .فوقت اختار ان يفصح عما يجول في خاطره ويطلق العنان لمشروعه الكبير كان في حوزته انذاك حزمة وقائع ومعطيات ثابتة ومتحركة تبيح له ركوب هذا المركب الصعب وفي مقدمها:
– كان الرئيس ميشال عون قد ولج الى قصر بعبدا وانطلق في رحلة الرئيس القوي الذي تعهد ضمنا بانه سيعيد للرئاسة الاولى كل ما فقدته من بريق ودور .
– كان باسيل يستند بقوة على ثبات التفاهم الرئاسي الذي كان ابرمه مع الرئيس سعد الحريري لينطلقا معا في شراكة حكم على اسس جديدة وحسابات مختلفة .

– ومن باب تحصيل الحاصل ان باسيل كان يتكىء في الوقت عينه على تفاهمه المعقود سابقا مع “حزب الله ” ويعي معه ان الحزب محكوم بتقبل كل شطحات باسيل ومغامراته وخطابه المتقلب احيانا لانه بامس الحاجة الى هذا التحالف كونه يوفر له غطاء مسيحيا نادر يقيه غدرات الزمن .

– ولايمكن ان ينسى ان باسيل قد اكتسب شرعية اعمق واكثر امتدادا في الشارع المسيحي يوم اقتضت الظروف والحسابات ان يدخل رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في تفاهم واعد معه سمي بتفاهم معراب .

– ولاحقا وفي الانتخابات الاخيرة نجح باسيل في ان يحافظ على حضوره النيابي الاقوى مسيحيا رغم ان منافسه التقليدي جعجع نجح ايضا في تكبير كتلته النيابية بشكل لافت .كل هذه المعطيات الايجابية جعلت باسيل يأنس من نفسه قوة دفعته احيانا الى فتح ابواب المواجهة المعلنة مع اثنين من الثوابت في السياسة اللبنانية وهما الرئيس نبيه بري ووليد جنبلاط فسمى الاول ” بلطجيا ” وذهب ليتحدى الثاني في عقر داره في الجبل فظهر بمظهر الراغب باللعب مع الكبار وتحديهم .وهو فضلا عن ذلك كان صاحب الصوت الاعلى في عمليات تاليف الحكومات المتتالية فلا امرار لاي حكومة دون ان تاخذه مطالبه بالاعتبار .

ولم يعد مفاجئا ان هذا المجد السياسي لباسيل بدا يشهد نكوصا وتراجعا بعد حراك 17 تشرين من العام الماضي.اذ مذ ذلك التاريخ وجد التيار البرتقالي ورئيسه نفسيهما في راس قائمة المحاصرين بشبهة الفساد والهدر وانهيار مالية الدولة مثلهما مثل الاباء المؤسسين لعهد اتفاق الطائف والمتربعين سعيدين على عرش الحكم والسلطة والادارة منذ عام 1992. لم يكن ذلك مفاجئا فباسيل كان وضع نفسه في موقع الصدارة في الحكومة والدولة فبدا مدافعا اول ومتهما اول .فضلا عن ان خصومه برعوا في لعبة الخروج من الموالاة الى صفوف المعارضة وتحكموا الى اقصى الحدود بلعبة الشارع وتوجيه سهام الاتهام وتحميل التبعات الى سواهم .

اما الضربة القاصمة التي تلقاها باسيل فجاة فقد تمثلت بالخروج السريع للحريري من رئاسة الحكومة واستطرادا بخروجه من موجبات التفاهم الرئاسي وانقلابه المفاجىء على باسيل متحللا من العلاقة معه لابل محملا اياه مسؤولية كل الاخفاقات المتتالية للحكم وقد لج الحريري في ذلك سعيا منه الى التبرؤ من تهمة الاستتباع للعهد ورجله القوي (باسيل) والتي حوصر بها طويلا.

على مدى السنة الفائتة بدا باسيل في وضع لايحسد عليه فهو يتلقى الهجمات من كل جانب فيما كانت هالة العهد القوي تتاكل تدريجا بفعل الانهيارات المتتالية للاوضاع المالية والاقتصادية للبلاد والعباد في مقابل العجز عن اي فعل انقاذي .لم يكن امام باسيل الا الانكفاء اولا ومن ثم العمل على تصدير ازمته الى الخارج ،لذا عمل المقربون منه على تحميل الحليف حزب الله الجزء الاكبر من المسؤولية لاعتبارين الاول لانه (الحزب) قد حال بينه وبين المضي بعيدا في رحلة ضرب منظومة الفساد واجتثاث جذور الاهدار والتسيب ولم يعنه على هذه المهمة الشاقة لاسباب غير مجهولة .والثاني انه (التيار) يتحمل دوما عقابا دوليا واقليميا مفروضا عليه تلقائيا بسبب تفاهمه معه ووقوفه الى جانبه في المحطات المفصلية والحرجة .ولاريب ان ازمة التيار وباسيل والعهد قد زادت حدتها بعد انفجار المرفأ المدوي والاثار الكارية على مناطق بعينها ذات اغلبية مسيحية واضحة، اذ كانت مسبوقة بعجزموصوف لحكومة محسوبة عليهم .وابعد من ذلك واجه باسيل تحديا لم يكن مرئيا تمثل بمبادرة البطريرك الماروني بشارة الراعي تفعيل دوره السياسي عبر تقديم طروحات لاتريح التيار ولا تلائم توجهاته .ولايمكن ان تنسى في هذا الاطار سيف العقوبات المالية الاميركية المصلت دوما على باسيل والذي حد من جموحه وقلل ربما من طموحاته .

حيال ذلك كله وجد باسيل في الاسابيع الثلاثة الماضية الفرصة المناسبة لتنظم هجوم مضاد لاستعادة رصيده المتاكل من جهة وتعزيز اوراق حضوره السياسي من جهة ثانية واثبات انه قادر على الخروج من شرنقة الازمة من جهة ثالثة .وقد تجلى ذلك في الاتي:

– تقديم اوراق حسن نيات الى الاميركيين تحديدا وقد ظهر ذلك وفق تشخيص الحلفاء في اضافة مدنيين الى عداد الوفد العسكري اللبناني الى مفاوضات الناقورة .وقد اكتفى الحزب بتسجيل اعتراض بياني مراعاة لوضع حليفه وضرورات باسيل .

– ذروة التصعيد والمواجهة كانت في المنازلة المتوالية فصولا مع الرئيس المكلف واخضاعه لشروط معينة لاتجعله مطلق اليد وحر التصرف على نحو يستعيد معه باسيل القدرة المطلقة على الاعتراض ساعة يشاء .
ولكن هل كل هذا النهج الاعتراضي يعيد لباسيل ما خسره خلال الاشهر الماضية ؟ الاكيد ان باسيل كسب جولة فرضت على خصومه والعاملين على شطبه من المعادلة ان يعيدوا حساباتهم من جديد .