//Put this in the section

هل أفرط الفرنسيون في التساهل؟

علي حمادة – النهار

عندما جرى تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل حكومة جديدة إثر فشل تجربة تكليف السفير مصطفى أديب، كان المنتظر من القوى السياسية المعنية التي وافقت على تكليف الحريري، أو تلك التي لم توافق (من باب احترام الاصول الديموقراطية) ان تترك الحريري يعمل على ترجمة وعوده التي اطلقها خلال المقابلة التلفزيونية التي اكد فيها انه مرشح طبيعي لموقع رئاسة الحكومة، فأطلق دينامية تشكيل الحكومة من جديد إنما على قاعدة الالتزام بالمبادرة الفرنسية، وفق ما قاله هو على شاشة التلفزيون، و”زبدتها” ان ثمة حاجة الى تشكيل “حكومة مهمة” مؤلفة من اختصاصيين أصحاب كفاءة ونزاهة، على ان تتنحى الأحزاب مدة من الوقت لترك الحكومة المشار اليها تعمل على انقاذ البلاد من ازمتها الخانقة. وقال الحريري ان مهمة الحكومة التي ينشدها محدودة في الزمن، لمدة ستة اشهر. ما حصل ان القوى كلها، عادت من بوابة تكليف الحريري تشكيل الحكومة لتمارس الأساليب القديمة نفسها في تشكيل الحكومات على قاعدة التصارع في سبيل انتزاع حقائب من هنا او هناك، وإنْ عبر تنصيب وزراء اختصاصيين في الشكل. لقد عاد الجميع الى اللعبة السابقة، والى نظام المحاصصة، كأن شيئاً لم يحصل خلال السنة السوداء التي مرت على اللبنانيين.




ولعل ما يجدر التوقف عنده اليوم، هو الثغرة التي عبر منها المتحاصصون، لحظة جرى التسليم لـ”الثنائي الشيعي” بالاستثناء في وزارة المال، وفي تسمية الوزراء الشيعة. هذه الثغرة عبر منها رئيس الجمهورية، وجبران باسيل، وسائر المتحاصصين التقليديين، لكي يعيدوا عقارب الزمن الى الوراء، ولكي يعكسوا صورة بالغة السلبية عن مستوى تعامل الطاقم الحاكم مع ازمة وجودية يعاني منها لبنان. واليوم يشهد الفرنسيون الذين يتابعون عن كثب ما يحصل، ويجرون اتصالات دورية بجميع القوى المعنية، كم ان المبادرة انحرفت عن مسارها الأساسي، وهم يتحملون قسطاً كبيراً من المسؤولية من خلال الموقف المتساهل الى حد بعيد في ترك القوى السياسية هنا “تلبنن” المبادرة، بعدما لمست تراخياً فرنسياً في محاولة تطبيق ما قاله الرئيس الفرنسي في “قصر الصنوبر”، ووافق عليه ممثلو الكتل الكبيرة في مجلس النواب. لقد اخطأ الفرنسيون في التعامل بتساهل مفرط مع القوى السياسية، تحت عنوان “الواقعية”، ومن هنا زُرعت أولى بذور فشل المبادرة الفرنسة بإغراقها في وحول المحاصصة اللبنانية. ومن هنا أيضا يمكن القول ان ما نراه اليوم على مستوى التنازع على الحصص، لا يبشر بالخير حتى لو تمكن الحريري من تشكيل الحكومة، فالمكتوب يُقرأ من عنوانه. مَن تصارعوا وتناتشوا الحصص قبل التأليف، لن يدَعوا الحكومة العتيدة، او أي حكومة، تعمل بجدية لتنفيذ بنود المبادرة الفرنسية، وإقرار الإصلاحات اللازمة كوسيلة لفتح باب الإنقاذ الاقتصادي والمالي من قِبل المجتمع الدولي، وستستمر النظرة الى الحكومة على انها “بقرة حلوب” حتى في عزّ زمن الإفلاس والانحطاط.

كل المؤشرات تدل على ان الطاقم السياسي اللبناني ميؤوس منه، وان شيئا لن يتغير ما دام هدف معظم الطاقم الحاكم هو إبقاء القديم على قِدمه!