//Put this in the section

التدقيق في خبر كان… والجناة يمرحون

خالد أبو شقرا – نداء الوطن

إنتهت البارحة المهلة التي أعطتها “ألفاريز آند مارسال ” لمصرف لبنان للرد على أسئلتها. خسر التدقيق الجنائي جولته الأولى، من دون أن يُعرف على وجه الدقة، ان كانت الحرب على الفساد والمُفسدين قد انتهت، أم ستستأنف بجولات لاحقة.




جميع المؤشرات الظاهرة لغاية الآن تدل على انه لا مصلحة لأحد بكشف المستور. فالطبقة السياسية “دافنينو سوا”، وما المزايدة بنبش “الجثة” إلا مراسم فولكلورية للقول “قمنا بواجبنا”. هذه الاستراتيجية التي تستحق الطبقة السياسية عليها جائزة “غينيس” للأرقام القياسية، إستُعملت تاريخياً لتمييع القرارات، وتخدير الرأي العام تمهيداً لدفن الملفات.

إقناع المركزي مهمة مستحيلة

عبثاً حاولت الجهات القانونية والقضائية والعدلية ثني “المركزي” عن تعنته بعدم الإجابة على استفسارت شركة التدقيق الجنائي. “فمفهوم السرية المصرفية لا يتناول المال العام – وفي مطلق الأحوال – تؤتمن عليه وترفع عنه السرية المصرفية الدولة اللبنانية ممثلة بالحكومة التي قررت التدقيق الجنائي”، تقول مطالعة نقابة المحامين. قبلها أفتت هيئة التشريع والاستشارات بانه “من واجب المعنيين المباشرة بتنفيذ قرار مجلس الوزراء عبر تمكين شركة “الفاريز” من القيام بمهمتها وتسليمها المستندات المطلوبة منهم مع حجب أسماء الزبائن عند الحاجة واستبدالها بأرقام، حفاظاً على السرية المصرفية”. أما أحدث وسائل “دك” جدار “عناد” مصرف لبنان فكانت رسالة وزير العدل إلى مقام مجلس الوزراء تطالبه بـ “إجراء ما يراه مناسباً ليصار إلى تزويد الشركة بالمعلومات”. وذلك بناء على ان “حسابات الدولة لا تنطبق عليها السرية المصرفية، وان هذه الأموال مكشوفة بالقانون رقم 28/2017 (حق الوصول إلى المعلومات). وان السرية التي تنحصر بحسابات الأشخاص، ينبغي الكشف عنها باعتماد الترميز من دون ذكر الأسماء”.

الرفض سياسي

هذا القصف القانوني المركّز الذي عجز عن اختراق أسوار السرية المتحصّن خلفها المركزي، يؤكد ان “رفض التدقيق الجنائي سياسي بامتياز ولا علاقة له من قريب او بعيد بالأمور التقنية أو القانونية”، بحسب رئيس مجموعة FFA Private Bank جان رياشي. “وهو تخطى مصرف لبنان ليتصل بعملية شد حبال بين جهات سياسية تعتبر ان المس بـ”المركزي” هدفه النيل منها شخصياً. وتتساءل عن أسباب استهدافه حصراً، وتحييد بقية المجالس والوزارات، وتحديداً وزارة الطاقة”. وبغض النظر عن كل المقاربات القانونية السليمة التي تساق في معرض مواجهة قرار المركزي فان “التذرع بقانون النقد والتسليف لعدم الإفصاح عن المعلومات أمام جهات خارجية لا ينطبق على عمليات التدقيق التي تجريها “ألفاريز آند مارسال”، برأي رياشي. “فهي ليست موجودة بصفتها شركة أجنبية، إنما كشركة موكلة من قبل الدولة اللبنانية للتدقيق في احدى مؤسساتها”. وهذا في الواقع ما تقوم به كل من شركة Deloitte “ديلويت أند توش” و Ernst & Young “آرنست أند يونغ”، اللتان تدققان بحسابات المركزي منذ سنوات. فلماذا تفتح كل الدفاتر والحسابات وأسماء العملاء أمام ديلويت و”EY”، وتغلق في وجه الشركة المكلفة من مجلس الوزراء بالتدقيق؟ أمّا إذا أردنا التوسع أكثر، فان ما يجري يشبه اعتراض مصرف ما، على عمل المدقق المكلف من مجلس ادارة البنك ويتستر على قائمة عملائه وعملياته بحجة ان المدقق هو جهة خارجية. الأمر الذي يخالف الأصول والمنطق.

جميع الآراء تتقاطع عند نتيجة واحدة وهي ان عدم إعطاء المعلومات لـ “ألفاريز آند مارسال” حسب نطاق العمل المتفق عليه، يعني ان التدقيق الجنائي لن يُسمح له بالمضي قدماً، لأنه قد يدين ممن بيدهم الحل والربط في البلد. إذ لا يمكن لأحد من المسؤولين أن يأتي طوعاً بمن يدينه ويفضحه ويسهل عمله. والجميع سيفعل ما بوسعه للحيلولة دون إتمام هذا الموضوع.

ما لن يكشفه التدقيق الجنائي

على عكس الكثير من الآراء فان التدقيق الجنائي في مصرف لبنان لا يتعلق بالأموال التي خرجت قبل أو بعد 17 تشرين الأول. “فالمصارف لا تسأل المركزي أو تستشيره عندما تحول أموالاً لعملائها إلى الخارج” يقول رياشي. “ومعرفة المركزي تقف عند حدود المبالغ التي خرجت بناء على الإحصاءات التي تقدمها المصارف عند نهاية كل شهر”. أما في ما يتعلق بطلب شركة التدقيق الحصول على “جميع تقارير التدقيق الداخلي، المتعلقة بالامتثال والمخاطر والحوكمة ومجلس إدارة البنك للفترة من 1 كانون الثاني 2015 حتى تاريخه، وقائمة بجميع سياسات مصرف لبنان المتعلقة بالاحتيال والمخاطر والامتثال، بما في ذلك جميع المراجعات، منذ عام 2015 وحتى تاريخه”.. فهي لا تتعلق بالسرية المصرفية برأي رياشي. وعلى مصرف لبنان تقديمها لانها لا تحوي أسراراً بل طريقة عمل “المركزي” التي يجب ان تكون مكتوبة وموثقة بما يراعي الأعراف وطريقة العمل المصرفية والقوانين المرعية الإجراء.

العرقلة في ملف التدقيق الجنائي مع “ألفاريز آند مارسال” بدأت تطرح علامات استفهام عن مصير عقود التدقيق المحاسبي والمالي التي وقعت مع كل من Oliver Wyman و KPMG. خصوصاً انه في مقدمة العقد مع الشركتين هناك بند يقول ان “المعلومات التي ستحصل عليها الشركة من المرحلة الأولى سوف تمكنها من تقييم ما إذا كانت قادرة على إجراء تدقيق لمصرف لبنان”. وبحسب المعلومات الصادرة عن المركزي فان مكتب شركة التدقيق المالي KPMG في هولندا حصل على المعلومات والوثائق التي طلبها. وقد باشر العمل عليها. إلا ان هذه المعلومات المرسلة لا تشكل إلا الدفعة الأولى من كمية اكبر يجب الحصول والاطلاع عليها من أجل الاستمرار في التدقيق. وعليه فان نجاح التدقيقين المالي والمحاسبي مرهون باستمرار تدفق المعلومات والبيانات من مصرف لبنان، وهو ما لا يمكن البناء عليه خصوصاً في ظل طريقة التعاطي مع شركة التدقيق الجنائي”.

بعبارة “اللهم اشهد أني قد بلّغت” ختم رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب بيانه الذي حذّر فيه “من محاولة الإطاحة بالتدقيق الجنائي لمنع اللبنانيين من معرفة حقيقة خلفيات اختفاء ودائعهم، وأسباب الانهيار المالي والتلاعب المدروس بسعر العملة الوطنية”. من دون أن يعني ذلك ان السلطة التنفيذية المستدعية للتدقيق الجنائي قد اتخذت أي إجراء عملي لحض مصرف لبنان على تقديم المعلومات كأن تقول بكل بساطة “رفعنا السرية المصرفية عن حساباتنا”، كما قال المحامي والبروفسور في كليات الحقوق الدكتور نصري دياب.