//Put this in the section

هل ضاعت المبادرة الفرنسية؟

غسان الحجار – النهار

ليس الفساد فكرة مجردة بمعزل عن الفاسدين. والفاسدون ليسوا سارقي المال العام فقط، بل ان بعض السياسيين من ناهبي البلد، يفسدون في الارض اكثر من السرقة، اذ ان تعطيل كل الاستحقاقات الدستورية في لبنان واشتراط تقاسم الحصص قبل المضي في اي تسوية او توافق او مشروع، لهو فساد اكبر، لانه يضرب اسس الكيان، ويهدد ديمومته. من هنا يمكن اعتبار العدد الاكبر من سياسيي لبنان فاسدين لانهم يعطلون البلد لمصالحهم الشخصية، ويعلنون الحروب لمكاسبهم، ويعلون الصوت لضمان منصب او وظيفة لأتباعهم. صحيح ان تركيبة البلد طائفية، لكن بإمكان الطوائف ان تقدم افضل ما عندها، بدل النوعيات السيئة غالبا، والتي توفر لها تغطية وحماية للمضي في فساد يمتد من اعلى الهرم الى اسفله.
ويبدو ان اللبنانيين، الممسكين بالقرار طبعا، ومن خلفهم اسيادهم في الخارج، باتوا متخصصين في تضييع الفرص على البلد وناسه. فكلما انعقد مؤتمر لمساعدة لبنان، وآخر المؤتمرات “سيدر”، في مقابل شروط اصلاحية، كلما امعنوا في فسادهم ونهب الاموال من دون اي اصلاح او انجاز، حتى فقد العالم كله الثقة بالبلد. ونذكر جميعا الضجة التي رافقت وزراء لبنانيين يشاركون في مؤتمرات لمساعدة لبنان، عند اكتشاف ان معظمهم سافر على متن طائرات خاصة، واقام مع حاشيته في اغلى الفنادق، في حين كان ممثلو الدول المانحة حضروا برا او جوا على الدرجة السياحية، واقاموا في فنادق متواضعة.
مناسبة هذا الكلام، ضياع المبادرة الفرنسية، وهي حبل النجاة الاخير الذي توافر للبنان، بعدما نفض العالم يديه من تلك الطبقة السياسية التي “بهدلها” الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، من دون ان يرفّ جفن لأركانها وأفرادها، اذ اعتبر كل منهم انه خارج التصنيف والقصد.
ماذا حصل للمبادرة الفرنسية؟ ربما اخطأ الفرنسيون بإدارتهم هذا الملف رغم انهم يدركون جيدا التعقيدات في التركيبة اللبنانية، خصوصا في زمن ما بعد الحرب، عندما فُقد منطق الدولة، وباتت الدويلات تسكن، اضافة الى المناطق والأحياء، المؤسسات الرسمية على كل المستويات، ولم تنجُ وزارة او ادارة من سرطان الميليشيات الناقمة على الدولة رغم انها ابتلعتها.
السؤال عما حلَّ بالمبادرة الفرنسية خصوصا بعد انكباب الرئيس ماكرون وفريقه على التصدي للارهاب في الداخل والخارج من جهة، وعلى معالجة علاقاته مع الدول الاسلامية والعربية من جهة أخرى. فالاهتمام لن يكون مركّزاً على حكومة لبنان، بل على حماية الفرنسيين ومصالحهم في لبنان وغيره من الدول.
في المقابل، لا يرى اللبنانيون الى المبادرة مركب نجاة يركبونه معاً، اذ بدا واضحا انهم من اليوم الاول، تعاملوا مع المبادرة كـ”لزوم ما لا يلزم”، وان من بيدهم القرار ارسلوا الاشارات الى واشنطن سيدة هذا العالم. الافكار والمقترحات الفرنسية ارادت اقصاءهم، وهم بالتأكيد لن يبصموا على نهاياتهم غير السعيدة، لذا اتفقوا على افشال المبادرة، وعلى المضي في اتفاق يجنبهم الكأس الفرنسية والدولية المُرة، واعتبروا انهم بترشيح الرئيس سعد الحريري انما يكسرون حدة المواجهة مع الغرب، وهم يدركون جيدا ان عرقلته تحرق كل المبادرة، لكنهم يرفعون عنهم حِمل المسؤولية.