//Put this in the section

هل «الدين للّه والوطن للجميع» أم الوطن للأقوياء والأغنياء والدين للفقراء والمستضعفين؟ – عصام نعمان – القدس العربي

لعقود وأجيال كان الآباء والأمهات والمعلمون والأوصياء والأولياء، يعظون الناس بعد كل منازعة دينية أو فتنة طائفية، بأن «الدين لله والوطن للجميع». والحال أن الله مصدرُ الدين والموحي به ليس بحاجة إليه، والوطن لم يكن لجميع المواطنين، بل لقلّة منهم أقوياء، ينعمون بموارده وخيراته، ويمسكون بمقاليد حكمه وسلطاته، وإن المتدينين الفقراء والضعفاء صدّقوا مقولات الأقوياء والأغنياء، ورضخوا لسلطانهم وجبروتهم أزماناً طويلة.
غير أن مستنيرين أفذاذاً بين الضعفاء، أقوياء في نفوسهم تصدّوا لذوي السلطة والثروة بأفكارٍ جريئة مضادة. واحد منهم، كارل ماركس، قال إن الدين أفيون الشعوب. آخرون من المتدينين المستنيرين ردّوا: بل الدين محرر الشعوب، ألم يحرر الإسلام العرب من جاهلية مقيتة طافحة بشرور التوحش والاقتتال ووأد البنات، وقادهم إلى رحاب الرحمة والسماحة والإيمان بوحدة الخالق الرحمن الرحيم؟
في صفوف كِلا الفريقين كان وما زال ثمة متطرفون لم يقتنعوا بنهج إقناع الآخرين بالموعظة والقدوة الحسنة. أرادوا اختصار الطريق إلى الغاية المرتجاة باستعمال العنف. هكذا عانت البشرية من قادة حركات وحكام دول علمانية، استعملوا العنف بوحشية فائقة.. من أبرز هؤلاء في العصر الحديث موسوليني في إيطاليا، وهتلر في ألمانيا وستالين في روسيا السوفييتية. قبل العلمانيين المتوحشين، مارس حكام متدينون عنفاً وحشياً أشد، في أزمان غابرة، وتفوّق عليهم في العصر الحديث متدينون متعصبون إسلامويون، أشهرهم «الدواعش» ولاسيما في العراق وسوريا ولبنان. الدافع إلى هذا الكلام ما قامت به أخيراً في فرنسا «ذئاب منفردة» من هجمات وحشية باسم الإسلام، ادّعت أنها ردّ على أخرى مماثلة، قام بها افراد وجماعات استهدفت الرسول الاعظم (صلى الله عليه وسلم) بإهانات شنيعة متكررة. وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في الغرب الاوروبي والأمريكي حاولت وتحاول إيهام الرأي العام بأن المذابح والهجمات الوحشية هي وقف على متطرفين «جهاديين» مسلمين وحسب. والحال أن المجرمين الاكثر توحشاً في هذا المجال، هم متطرفون بيض عنصريون كـأنديرز بريفك مرتكب المذبحة الرهيبة في النرويج عام 2011، وبرينتون تارانت مرتكب مجزرة المسجد في نيوزيلندا عام 2019، وأمثالهما كثر في اوروبا وأمريكا.
في غمرة ظاهرة التوحش العالمية هذه تبرز حقائق ثلاث:
*الأولى، إن الغرب الأبيض العنصري، حكاماً وأفراداً، كان وما زال سبّاقاً في استعمال العنف لأغراض سياسية. ولماذا نذهب بعيداً؟ ألم يتهم دونالد ترامب غريمته في انتخابات الرئاسة، وزيرة الخارجية الامريكية السابقة هيلاري كلينتون عام 2016، بأنها كانت وراء تمويل تنظيم «داعش» وحضّه على ضرب نظاميّ الحكم في العراق وسوريا لتقسيمهما، وأن رسائل وتوجيهات لها جرى كشفها في الآونة الأخيرة؟
*الثانية، وجود مسلمين كثر قاطنين في دول أوروبية معادين لحكوماتها، ما ساعد المتطرفين منهم على شنّ هجمات عنف وتخريب داخل تلك الدول، أو على مساعدة تنظيمات متطرفة على القيام بها.

قد يكون الذي قتل الأبرياء الثلاثة في مدينة نيس «ذئباً منفرداً» تصرف من تلقاء ذاته وليس بتواطؤ مع حكومة أو جماعة في الخارج




*الثالثة، التوحش واستخدام العنف لأغراض سياسة ليسا وقفاً على دول ومسؤولين حكوميين، بل أصبحا في زماننا ظاهرة مشتركة بين أفراد وحكومات، لا ينشطون متواطئين بالضرورة، بل يعملون باستقلالٍ عن بعضهم بعضاً.
الأصح القول إن بعض حكام دول الغرب الأوروبي والامريكي، لجأ إلى نشر ثقافة التمييز العنصري والكراهية ضد الإسلام والمسلمين، ما أدى إلى تشرّب أفراد وجماعات هذه الثقافة العدائية، وبالتالي إلى قيام بعض من هؤلاء، بإرادة ذاتية، باقتراف جرائم ومجازر ضد الآخر المسلم، الذي بات في اذهانهم عدواً، لذا لا يُستبعَد البتة أن يكون الذي قتل الابرياء الثلاثة في كنيسة نوتردام بمدينة نيس الفرنسية «ذئباً منفرداً» بمعنى أنه تصرّف من تلقاء نفسه، وليس بتواطؤ مع حكومة أو جماعة في الخارج. في ضوء ضلوع بعض مسؤولي دول الغرب الأوروبي والأمريكي في ترسيخ ثقافة التمييز العنصري والكراهية للإسلام والمسلمين، تبدو دعوة شيخ الأزهر الشريف إلى تشريع عهد اممي بتجريم المسّ بالأديان السماوية، وبضرورة احترام مقدسات المؤمنين بها غير قابلةٍ لإستجابةٍ سريعة، خصوصاً من جانب رؤساء دولٍ منخرطين في سياسات عنصرية أو معادية للإسلام. إلى ذلك، ثمة تحدٍ تجدُ فرنسا نفسها وحكومات تتعاون معها سياسياً واقتصادياً، أنها مضطرة إلى مواجهته قبل فوات الاوان، فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان قد زار لبنان مرتين وتمكّن من إقناع أمراء طوائفه المتصارعين، بالتزام بنود مبادرته للإصلاح ومكافحة الفساد، لكن بعد الأحداث الدموية الأخيرة في بلاده أطلق ماكرون تصريحات فسرها مسؤولو بعض التنظيمات الإسلامية في لبنان، بأنها عدائية، فنظموا في معرض الرد عليه تظاهرات تنديد حول السفارة الفرنسية. أشد المحرجين هو سعد الحريري، المكلّف تأليف الحكومة الجديدة، إذ كان قد أعلن أن بيان حكومته العتيدة سيكون مبادرة ماكرون الإصلاحية. صحيح أن قادة القوى السياسية لم يتفوهوا بما يسيء إلى الرئيس الفرنسي، أو إلى مبادرته، لكن تعقيدات الوضع السياسي في لبنان وضحالة التفاهمات بين قادته السياسيين من جهة، واحتمال لجوء قوى خارجية إلى التدخل مجدداً في شؤونه الداخلية من جهة أخرى، قد يتسبّب في وضع عقبات أمام الحريري، وجهوده لتأليف الحكومة. ذلك كله حمل ماكرون على التصريح بأنه «يتفهّم مشاعر الذين اعترضوا وتألموا لنشر رسومٍ كاريكاتيرية للنبي محمد».
يبقى أن يقتنع القادة السياسيون اللبنانيون بصدقٍ ويتصرفون بجدّية على أساس أن الدين والوطن للجميع، وليسا حكراً للأقوياء والأغنياء، أو امتيازاً على حساب حقوق الفقراء والمستضعفين.