//Put this in the section

عون يخوض معارك “نهاية العهد”… والحريري يواجه “فيتوات” باسيل و”الحزب”!

ابراهيم حيدر – النهار

أكبر التعقيدات الماثلة أمام تشكيل #الحكومة، تكمن في تقديم رئيس الجمهورية ميشال #عون نفسه طرفاً مفاوضاً حول تركيبها وحقائبها وحصص قوى سياسية وطائفية في مقدمها التيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل. والتصرف كطرف من موقع الرئاسة الأولى يتعارض مع دور الحكَم الذي يقود السفينة مقرّباً المسافات وقادراً على اجتراح مخارج وعقد تسويات تمكّن، ليس #تشكيل الحكومة فحسب، بل من وضع حلول للأزمات وحالة الإنهيار التي تعصف بالبلد. بدت عقد التشكيل، وهي لا تقتصر على حقيبة من هنا ومداورة من هناك فحسب، وكأن هناك من يقول لرئيس الحكومة المكلف سعد #الحريري أن تسميته من 65 نائباً لا تعطيه الأرجحية ليقرر شكل الحكومة وعدد وزرائها، بل عليه القبول بتركيبة تعكس موازين القوى خصوصاً التحالف الذي يمثله التيار العوني و”حزب الله”، وهذا الأخير لم يسم أحداً في الاستشارات النيابية أي أنه أعطى رئيس الجمهورية تبريراً ليفاوض على تركيب الحكومة، وإن كان لم يعترض على تسمية الحريري وترشحه قبل ذلك إلى رئاسة الحكومة.




دخل الرئيس ميشال عون سنته الخامسة في الحكم، ولم يتمكن من إخراج تسوية تسمح بتأليف الحكومة، وإن كان التشكيل يحتاج إلى محرك داخلي أو خارجي قوي يفرض تسوية بتنازلات معينة. ويعني ذلك أن عون لن يحقق أي إنجاز في ما تبقى من العهد للخروج من المأزق، فإذا لم يتمكن الحريري من التأليف في وقت قريب، سيتعايش عون مع حكومة حسان دياب المستقيلة أي في مرحلة تصريف الأعمال والتي لا تستطيع أن تتخذ قرارات أمام هول الكارثة التي حلت بالبلد، بسبب تداعيات الازمة المالية وأيضاً انفجار الرابع من آب المروع، وبالتالي سيكتب أن عهد ميشال عون أخذ البلد إلى الهاوية بصرف التظر عن مسؤولية الحكومات المتعاقبة.

يخوض عون وهو القادر على إيجاد حل إذا انطلق من موقع الحكَم، معارك كثيرة على مختلف الجبهات، وآخرها تلك “الصامتة” مع الحريري التي تعطل التأليف، وهي معارك تنطلق من ممارسة سياسية لانتزاع أكبر حصة لـ”التيار الوطني الحر” والذي دخل رئيسه جبران باسيل على خط المفاوضات مصعداً بوضع شروط لتشكيل الحكومة، في الحقائب والعدد والمداورة، إلى فيتوات على أطراف سمت الحريري، علماً أن الرئيس المكلف لم ينته اصلاً من عقدة مطالبة “حزب الله” بحقيبة الصحة حصراً، إضافة الى اشتراط تسمية الوزراء الشيعة، وإن كان منفتحاً على النقاش في الأسماء بعدما ضمن لـ”حركة أمل” وزارة المال وجرى التسليم بهذا الأمر من الحريري نفسه. أما إذا لم تتألف الحكومة باكراً، فسيكون العهد أمام محصلة مؤلمة لوضع البلد، خصوصاً وأن اللبنانيين يعلقون آمالهم على التاليف للتخفيف من الأزمة القائمة، بعدما اقتنعوا مع انتفاضتهم أن لا إمكان لحكومة إنقاذ في ظل الهيمنة القائمة للتحالف الحاكم، وأن الفرنسيين سلموا بالتشكيلة السياسية القائمة وتركيبة النظام المتجذرة.

يخوض عون معارك يعتبرها مصيرية، لكنها في الإنهيار الراهن تؤدي إلى انعكاسات سلبية على اللبنانيين وعلى المسيحيين خصوصاً ودورهم التاريخي في بناء الكيان. وهو في ممارسته السياسية كأنه يخوض معركة “نهاية العهد”. ووفق مصدر سياسي متابع وضع عون اشتراطات في وجه الحريري، قبل التشكيل، تؤدي إذا أخذ بها الحريري إلى تحكّم عون بالحكومة، ليس فقط عبر الثلث المعطل وعدد الوزراء، إنما في القرار والهيمنة بالتحالف مع “حزب الله” المطمئن لحقائب “الثنائي الشيعي”، ولا بأس إذا كان التصويب على اتفاق الطائف يأتي من فرض أعراف وتقاليد أمر واقع، لكنها في النهاية تنسفه من دون أن تؤدي إلى تكريس صلاحيات دستورية جديدة للموقع المسيحي الأول، إنما قد تذهب بدور المسيحيين إلى هزيمة جديدة، تماماً كما حدث بعد عام 1989. ويراهن عون وفق المصدر السياسي على دعم “الحزب” في مفاوضاته لتشكيل الحكومة ولتكريس الهيمنة، وهو الحزب الذي يستطيع أن يضغط بفائض قوته ولديه القدرة على قلب الهيمنة وفق حساباته السياسية، لكن هذا الرهان قد يكون له نتائج عكسية تكرّس مزيداً من قوة “الثنائي الشيعي” في إيصال رئيس الجمهورية وحتى في الإطباق على الحكم.

على وقع هذه المعارك، بدا أن الإيجابية التي عٌممت لتشكيل الحكومة قد تراجعت، وتعقيداتها ليست داخلية فحسب، بل إقليمية ودولية متصلة بمحاولات تحسين المواقع والصراع القائم، ومرتبطة أيضاً بملفات “الترسيم” وبالانتخابات الاميركية وبحسابات تمتد من سوريا إلى إيران، إضافة إلى أن المساعدات الدولية للبنان خصوصاً الأميركية مشروطة بعدم مشاركة “حزب الله” في الحكومة. فإذا تمكن الحريري من إنجاز اتفاقه مع عون، وحل معضلة رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، عندها ستكون ولادة الحكومة سريعة. ولهذا يشير المصدر السياسي إلى أن تجاوز المعضلة العونية بنجاح بما فيها استعصاءات “حزب الله” يحل المشكلة سريعاً مع التعقيدات الاخرى، إن كانت متعلقة بالحزب التقدمي الاشتراكي أو بتيار المردة وغيرهما.

القضية في سياق المعركة التي يخوضها عون في نهاية عهده للسنتين المتبقيتين، أكبر من حصرها بمشكلة العدد، فعون الذي يرفض مطلب الحريري حكومة من 18 وزيراً، يريد أن يكرّس مرجعيته في فرض هذا التأليف بحكومة من 20 لضمان القرار داخلها عبر الثلث المعطل وربما الأكثرية، لكن إذا نجح الحريري في تجاوز هذه النقطة وأصر على موقفه، فإنه يكون قد قلب الطاولة في عملية التشكيل التقليدية لا بل نسفها بمنعه الفيتو المعطل داخل الحكومة، وإن كان الحريري وافق على منح “الثنائي الشيعي” وزارة المال، إلا أنه إذا تشكلت حكومة الـ18 وزيراً، فلن يكون لعون وباسيل القدرة على التعطيل وحدهما أو مصادرة القرار الحكومي كما كان يحصل سابقاً، إلا بالتحالف مع “الثنائي الشيعي” الذي لديه اليوم أيضاً حسابات قد لا تتطابق مع الوجهة العونية، خصوصا “حركة أمل” برئاسة نبيه بري.
هناك عقبات أخرى كثيرة في عملية التشكيل، منها المداورة. لكن التشكيل مرهون بعدم تقديم تنازلات من الحريري، وتمسكه بموقفه. وهذا يعني في النهاية أنه إذا تشكلت الحكومة ستقوم على توازن القوى والمحاصصة بلا ثلث معطل من طرف واحد، أما عونن فيصر في معركته الراهنة على تحقيق ما عجز عن تحقيقه خلال السنوات الأربع الماضية، وهنا تكمن أم العقد!