//Put this in the section

أوروبا وفرنسا… محاولة للفهم! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

الخوف من المجهول هو أكبر محفزات الفرد والمجتمع على التغيير. لعل هذه الجملة أدق وصف لحال أوروبا اليوم، التي تشعر بخطر كبير ومتعاظم على فقدان «هويتها» المنبثقة من قيمها وثقافتها الخاصة بها.

في أكثر من دولة أوروبية، هناك شكوى متزايدة من دخول أفراد ومجموعات غير قادرة على «الاندماج» في المجتمع الأوروبي، وتفضل الانعزال والعيش في «الغيتو». ويأتي مع هذا الخطر الاجتماعي، تهديد أمني، سواء بسبب ارتفاع معدلات الجريمة، أو ارتفاع معدلات الحوادث الإرهابية. هناك تحدٍ اقتصادي تواجهه القارة الأوروبية منذ فترة ليست بالقصيرة، تقاوم فيه معدلات نمو متواضعة، وتواجه فيه معدلات بطالة مرتفعة، وكونها غير قادرة على تأمين الوظائف لمواطنيها، فهي حتماً لن تكون قادرة على توفير ذلك للمهاجرين اللاجئين إليها، وبالتالي سيكون اللجوء للجريمة والإرهاب مسألة وقت لا أكثر.




هذه وجهة نظر أوروبية استمعت إليها من رجل أعمال أوروبي محترم، في محاولة «فهم» ما يحدث في القارة العجوز. فما يحدث في أوروبا اليوم من ردود فعل ومواقف، أعمق بكثير من مجرد أحداث بعينها على ما يبدو. وإذا كانت فرنسا اليوم هي في واجهة الأحداث، فهي ليست وحدها، فهناك «أشكال» مختلفة للتعامل مع الخوف من المجهول، الذي أصاب القارة الأوروبية. وبما أن الحديث عن فرنسا يتسيد الأخبار هذه الأيام، لأسباب باتت معروفة، أتذكر كتاب «من هو شارلي؟: سوسيولوجيا أزمة دينية» للكاتب الفرنسي إيمانويل تود، وهو مؤرخ وعالم مرموق في الأنثروبولوجيا، الذي يتساءل فيه: من نحن حقاً؟ فيقول: نحن الذين أبدينا تصميماً هائلاً على رفض العنف الأعمى، وعلى إيماننا بالجمهورية في 11 يناير (كانون الثاني) 2015. تظهر لنا دراسات الخرائط والتحليل السوسيولوجي لثلاثة أو أربعة ملايين متظاهر باريسي العديد من المفاجآت (في إشارة لمظاهرات السترات الصفراء) لأنه، حسب الكاتب، إذا كانت مجلة «شارلي إيبدو» تنادي بقيم ليبرالية وجمهورية، فإن الطبقات الوسطى المتظاهرة كان لديها طرح آخر لا يقل أهمية، يظهر تناقضاً في الحريات وأنانية وعدم مساواة.

ويطرح أسئلة صعبة ومحرجة مثل: هل على فرنسا أن تستمر في إساءة معاملة شبابها، وإجبارهم على العيش على أطراف المدن، وأن تنبذ المهاجرين، وتسيء إلى الإسلام، وتغذي معاداة السامية؟ جرأة الأسئلة القديمة الموجهة فرنسياً للداخل الفرنسي نفسه، تعطي صورة مقطعية للعقل والتفكير الفرنسي اليوم، الذي قد يكون صورة عينة لسائر المجتمعات الأوروبية الأخرى.

هناك أزمة أو أزمات تعاني منها فرنسا، وما يحدث هو قشور لها. فرنسا التي احتضنت نينا ريتشي وسمالتو وبيرلوتي وشيروتي من إيطاليا، وكينزو من اليابان، ليبرعوا في عالم الأزياء، وكونديرا التشيكي، وبولدوين الأميركي، وأمين معلوف اللبناني، وبن جلون المغربي، وأركون الجزائري، هل ضاقت اليوم لغيرهم؟ من المهم فهم ما يحدث في المجتمعات من الداخل قبل الحكم عليها من وجهة نظر أحادية وغير موضوعية. وعادت بي الذاكرة لأتذكر لقاء جمعني مع أكاديمي جامعي من بلغراد شرح لي فيه وجهة نظر الصرب في حروب البوسنة والهرسك، فتعرفت على البعد القومي العميق للصرب، الذين يعتبرون البوسنة والهرسك وكوسوفو أراضي صربية اغتصبها العثمانيون، وحولوا هويتها ولا بد من إعادتها مجدداً. طبعاً قلت للرجل إن المذابح التي قام بها الصرب ضد المسلمين، لا يمكن تبريرها بالبعد القومي الذي ذكرته، وإن كانت أسبابه تؤخذ في عين الاعتبار (وهو نفس ما يطالب به بعض المنشغلين بالإسلام السياسي حينما يقولون سنستعيد الأندلس، فيثيرون الرعب والذعر والخوف في قلوب الأوروبيين عموماً والإسبان منهم تحديداً).

دائماً ما تكون المقارنة حين الحديث عن العلمانية السياسية بين النموذج الفرنسي والنموذج الأميركي، وإذا كان النموذج الأميركي يعرف العلمانية بأنها «فصل الدين عن الدولة»، فإن النموذج الفرنسي يفسرها «بحماية الدولة من أخطار الدين»، وطبعاً لهذا التعريف الفرنسي الذي يبدو متشدداً أسبابه التاريخية، أهمها معاناة الفرنسيين الشديدة من تسلط الكنيسة الكاثوليكية عبر عقود طويلة جداً من الزمن.

يختم إيمانويل تود كتابه بالمقولة التالية: «ظللت لوقت طويل مؤمناً إيماناً مطلقاً بقدرة بلدي على استيعاب المهاجرين ذوي الأصول المختلفة يهوداً، وآسيويين، ومسلمين وسوداً. عليَّ أن أعترف بأن الشك قد بدأ يساورني منذ فترة، سوف تصبح باريس ربما على الرغم من كل شيء يوماً ما إحدى عجائب الكوكب، المدينة التي انصهر فيها ممثلو كل شعوب العالم، أورشليم الجديدة فيها الأنماط المنفصلة بسبب تشتت الإنسان المفكر في أرجاء الأرض، خلال أكثر من 10 آلاف سنة، سيختلطون ويذوبون ويعاد توليفهم في إنسانية متحررة من كل شعور عنصري، ولكن حتى لو توصلت فرنسا في النهاية إلى أن تصبح هي نفسها، فإن الطريق سيكون أكثر فوضى مما تخيلت منذ عشرين عاماً. من المؤكد أن جيلي لن يرى أرض الميعاد».