//Put this in the section

العهد فشل والمنظومة كلها شريكة في السقوط

غسان الحجار – النهار

مما لا شك فيه ان تقويم أربع سنوات من عهد الرئيس ميشال عون عملية شائكة اذ لا يمكن وسمها بالنجاح حتماً، لان العبرة في النتائج وليست في النيات. وها البلد قد وصل الى القعر على كل المستويات. فلا الوضع السياسي والاقتصادي والمالي على ما يرام، ولا الوضع الاجتماعي، ولا حتى الأمني. لم يبلغ اللبنانيون فقراً قاتلاً بالحد الذي يعيشونه اليوم. فرغم كل الحروب التي تعاقبت على البلد، لم تنقص العملات الاجنبية، ولا صار تقييد لعمليات السحب بالليرة اللبنانية. أما الانكى من هذا وذاك، فهو حجز اموال اللبنانيين في ما يشبه مصادرة الودائع، وهو وصف ملطَّف لكلمة سرقة الودائع التي هي جنى أعمار المواطنين وتعبهم.
وهذا الامر ينعكس حكماً على الاوضاع الاجتماعية، خصوصا مع انهيار قيمة الليرة وما يرافقها من ارتفاع للاسعار، وانقطاع بعضها، وفقدان ادوية ضرورية من الاسواق. وهذه الظروف مجتمعة تؤدي لاحقاً الى زعزعة الامن في بلد يحوي اكثر من مليوني لاجىء معظمهم من الاكثر حاجة، اي الاكثر فقراً. ولن يتوانى بعضهم، مع لبنانيين يشاركونهم في الاوضاع المتردية نفسها، عن افتعال مشكلات لا تزال، حتى اليوم، غير عصية على الضبط. ولم يكن ينقص لبنان، والعهد بمسؤوليته المعنوية على الأقل، إلا انفجار المرفأ الذي عرّى مؤسسات الدولة، ولم تصل التحقيقات فيه الى نتيجة، ولم تحدَّد المسؤوليات في ظل حالة من التخبط والضياع.
ورغم الاقتناع التام بفشل العهد، ونهاية العماد ميشال عون بطريقة مأسوية، لم يكن كثيرون من اللبنانيين بحق، يتمنونها له، لانها لا ترتبط بشخصه، بل بالبلد ككل، وتشكل نكسة لكل الشعارات التي رفعها، والتي صدَّقها كثيرون وآمنوا بها، واعتبروا انها خطوة على طريق اعادة إعمار لبنان الوطن، إلا انه من الضروري، خدمة للحقيقة، اظهار بعض الحقائق التي لا تنقذ العهد في الثلث الاخير من ولايته، لكنها تبقى للتاريخ.
اولى هذه الحقائق ان الفساد معشش في الادارة اللبنانية ولا يمكن احدا ان يتصدى له، اذا لم تقم ورشة وطنية كاملة في هذا الاطار، يدعمها السياسيون، شرط ان يكون القضاء قوامها. ولكن هل يمكن مَن افسد البلد ان يدعم مسيرة اصلاحه؟ ضربٌ من الخيال، لان النظام القائم على الفساد والزبائنية هو الذي يبقي تلك الطبقة الحاكمة، وقد دخل عليها “التيار الوطني الحر” متأخراً بعض الشيء بعدما فرغ الآخرون من تقاسم الجبنة، ما شكل لهم انزعاجا واستياء. وبالتالي فان كل الشعارات التي اطلقها عون قبل ان تطىء قدماه قصر بعبدا، كانت فارغة من كل مضمون، لانه يدرك الحقيقة، واذا كان لا يدركها فتلك مصيبة. اما القضاء فمنهك متباطئ، يخضع لضغوط اهل السياسة وارباب الطوائف ليصبح شبه معطل في القضايا الكبرى.
الحقيقة الثانية هي ان المنظومة الحاكمة منذ ما بعد انتهاء الحرب الاهلية لا ترغب في دخلاء عليها، بل انها تفسح في المجال للبعض وفق ما تمليه مصالحها للبقاء. وهي تسهل او تعرقل وفق تلك الحسابات، التي دخلت عليها مصالح اقليمية زادت الامور تعقيدا. وقد شعرت تلك المنظومة بان الفريقين المسيحيين الاقويين، يغردان باستمرار خارج السرب رغم محاولتهما التحول شريكين فعليين.
الحقيقة الثالثة هي ان الحليف الاول للرئيس ميشال عون، والذي اوصله الى سدة الرئاسة، بات يشكل عبئا على الرئيس وعلى البلد لا يمكن الاخير ان يتحمل نتائجه، ونرى اليوم تداعياته الانهيارية. فـ”حزب الله” بما هو ضرورة للمقاومة في وجه اعتداءات اسرائيل، ورّط لبنان في حروب المنطقة ونزاعاتها، وأثقل على كاهلَي الرئيس الذي وُسِم بالحزب الإلهي، ما اكسبه عداوة اهل الارض اينما حل او فكّر في الذهاب. فبنتيجة التسوية الرئاسية، عُزل لبنان عن محيطه العربي، وعوقب الرئيس سعد الحريري، وحوصرت مؤسسات ومصارف. وقد برزت تجليات شعور العهد بهذا الثقل في الفترة الاخيرة، فظهر تباعد في الرؤى والافكار، ليس بسبب الحسابات الرئاسية للنائب جبران باسيل فحسب، بل لاستنتاج عون ان الطرف الذي اوصله الى الرئاسة هو نفسه الذي يسبب له ولعهده الخناق.
فالحصار الذي يعانيه لبنان اقتصاديا وماليا ليس اكثر من عقوبات سياسية التقط اشاراتها “الثنائي الشيعي” اخيرا فأطلق الضوء الاخضر للترسيم في محاولة لتخفيف الضغط واعادة لبنان الى المنظومة الدولية.
والترسيم رابعا، هو بيت القصيد. فلا تنقيب عن النفط والغاز، ولا امكان لشركات ان تستثمر هذا القطاع في الجانب اللبناني إلا بحصول الترسيم مع اسرائيل بما يضمن امنها ومصالحها في النفط والغاز ايضا، وهذا الموضوع شكل سببا اساسيا للتضييق على لبنان، لا يتحمل مسؤوليته الرئيس عون.
خامسا، ان الوضع المالي هو نتاج اعوام من الافلاس الذي عملت هندسات مالية على اخفائه او تأجيله، وقد سقط حزب الرئيس مرارا بتحميل الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومن بعده الرئيس سعد الحريري، المسؤولية، والتملص منها وتبرئة الذات رغم مشاركة واسعة لـ “التيار الوطني الحر” في السلطة غداة اغتيال الحريري الأب وتفاقم الدَّين والعجز منذ ذلك التاريخ. وهذا الامر لا يتعلق بالرئيس عون وحاشيته فحسب، وانما بالدولة العميقة الفاسدة والتي تغطي الفساد وتنهب المال العام وتفرغ الخزينة، فيما الوزارات المتعاقبة ومجالس النواب والهيئات الرقابية تتصدى لها امام كاميرات التلفزيون فقط.
سادسا: ان هذه الاسباب التي قد يرى فيها البعض تبرئة للرئيس، لا تلغي الاداء الخاطىء له ولتياره في معظم المجالات. والتذرع دائما بان جهات تعطل المشاريع التي يقدمها “التيار”، ذريعة تنطبق على كل الوزارات، اذ كما يعطل لهم آخرون مشاريعهم، فانهم لم يتوانوا عن تعطيل مشاريع الآخرين، او المضي بمشاريع يرون انها تحقق منفعة عامة، فيما هي مرفوضة شعبيا ومن اهل الاختصاص، والتمسك بها تحت شعارات واهية كمثل معمل سلعاتا للمسيحيين، لا يحقق مصلحة الدولة العليا بالتأكيد.
وأما استعادة هيبة موقع الرئاسة الاولى ودوره، فقد وقع فريق الرئيس في فخ قاتل، لانهم توهموا القيام بالامر، وفاقموا النقمة عليهم، فيما كانت الامور الفعلية وتغييب ادوار الكل في مكان آخر يلزم الصمت والتقية.
مع كل هذه الوقائع، التي تخفف “الجرم” ولا تلغيه، سيسجل للرئيس ميشال عون ان كل هذه النكبات حصلت في عهده، والاستفاقة – إن وجدت – حتما متأخرة كثيرا، لان انجازات العهود تتحقق في السنتين الاوليين، لا الاخيرتين. ولكن عسى ان تنقلب القاعدة، فتحمل السنتان المقبلتان بعضاً من الخير الذي صار مفتقَداً.