//Put this in the section

«حزب الله» في الناقورة: تانغو السياسة قبل النفط والغاز

صبحي حديدي – القدس العربي

د تثبت الأسابيع القليلة المقبلة أنّ السفير الأمريكي لدى الجزائر، جون ديروشر، هو «البطل» الفعلي وراء انطلاق التفاوض بين لبنان ودولة الاحتلال الإسرائيلي؛ الهادفة، كما هو معلن رسمياً على الأقلّ، إلى ترسيم الحدود البحرية وحلّ النزاع حول 860 كم مربع في البحر الأبيض المتوسط؛ الأمر الذي سوف يمكّن لبنان، إذا تمّ التوصل إلى اتفاق، من الشروع في استثمار احتياطي بحري يُقدّر بـ865 مليون برميل من النفط، و96 تريليون قدم مكعب من الغاز. الفارق في تفصيل ديروشر، عن الرواية المعلنة التي تتحدث عن وساطة دافيد شنكر مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط، أنّ الثاني أكثر تمثيلاً للبُعد السياسي في المفاوضات (وأقرب، بالتالي، إلى خطّ البيت الأبيض والخارجية الأمريكية)؛ في حين أنّ الأوّل أكثر وفاءً للبُعد التقني، في الاقتصاد والاستثمار (بمنأى، استطراداً ولكن بصفة غير نسبية أيضاً، عن معضلات السياسة الخارجية الأمريكية بصدد لبنان).
في عبارة أخرى، صحيح أنّ شنكر كان الواجهة، وهكذا ظلّ بعدئذ في ضوء لقائه مع الرئيس اللبناني ميشيل عون، وهو في نهاية المطاف أحد رؤساء ديروشر في الخارجية؛ ولكنّ الصحيح المقابل هو أنّ شنكر شخصية إشكالية لدى الثنائي الشيعي، «حزب الله» و«أمل» بل هو رجيم زنيم لئيم في ناظر حسن نصر الله شخصياً. وهكذا، إذا توجّب على الثنائي، والحزب في المقام الأوّل، أن يتجرّع سمّ التفاوض مع دولة الاحتلال (بالمعنى المجازي ذاته الذي يحيل إلى الإمام خميني ساعة إتمام التفاوض مع صدّام حسين)؛ فمن الخير أن يكون الزعاف بيد سفير بعيد عن الأضواء مثل ديروشر، وليس مساعد وزير خارجية مثل شنكر. ومع ذلك، وكي لا تُغمط حقوق السفير، يتردد أنّ قدراته الخاصة في الإقناع والتعاطي والأخذ والردّ والمرونة والدماثة والدهاء… أتت أكلها حين اقتنع نبيه برّي باستخدام مفردة «إسرائيل» في إعلان بدء المفاوضات، وليس «العدو» أو «الكيان» أو حتى «فلسطين المحتلة».
التسمية الرسمية هي «اتفاق إطار» كما بات معروفاً؛ وهي ليست مفاوضات سياسية، كما أصرّ «حزب الله» ويتوجب أن تقتصر من الجانب اللبناني على ضباط الجيش، وأن تُستبعد عن جلساتها العدسات والميكروفونات. غير أنّ الوفد اللبناني تشكل، في النهاية، من خليط عسكري ومدني مدشناً بذلك أولى مظاهر انحناء «حزب الله» أمام إرادة رئيس الجمهورية المعلنة، وأمام رغبة برّي المضمرة. وكذلك، وهو الأهمّ بالطبع، استجابة لحاجة الحزب ذاته إلى ترسيم حدود بحرية يمكن أن تدرّ السيولة على خزينة خاوية ومدينة، فتشمل المنافعُ الحزبَ ومؤسساته، أو لعله يتصدّر لائحة المنتفعين الناهبين أيضاً. في المقابل لم تغب عن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو القيمة السياسية الرمزية لهذه الجولات، وفي مقابل نائب رئيس الأركان وعقيد بحري وخبير في نزاعات الحدود وعضو في هيئة إدارة قطاع البترول عن الوفد اللبناني، أرسلت دولة الاحتلال مستشار نتنياهو الدبلوماسي ومدير الدائر القانونية في الخارجية الإسرائيلية إلى جانب المدير العام لوزارة الطاقة.




جولات الناقورة الثلاث ليست متجردة من القيمة الرمزية لأنها مفاوضات تجري تحت سمع وبصر الثنائي الشيعي، وتمّت بترخيص جليّ من قيادة |حزب الله» رغم جعجعة أولى بلا طحن حول تركيب الوفد وحظر التصوير

ليس خافياً، إلى هذا، أنّ تصعيد الضغوط الأمريكية لإطلاق جولات التفاوض حول ترسيم الحدود، والتي بدأت فعلياً أثناء زيارة وزير الخارجية مايك بومبيو إلى بيروت في آذار (مارس) الماضي، لم تكمن منفصلة تماماً عن سلسلة التوقيتات المحسوبة التي أعطت اتفاقيات التطبيع الإماراتية والبحرينية والسودانية مع دولة الاحتلال.
تلك كانت «مفاجآت أكتوبر» مصغّرة، إذا جاز التعبير، جهدت لتظهير صورة الرئيس الأمريكي (البائسة الفقيرة) في السياسة الخارجية، وخدمته انتخابياً، من جهة أولى؛ واستكمال المزيد من الخيارات القصوى في الانحياز إلى دولة الاحتلال، من جهة ثانية. لا أحد في الإدارة، ولا في حكومة الاحتلال، كان ينتظر اختراقاً دراماتيكياً على الجبهة اللبنانية في ملفّ التطبيع، ليس لأيّ سبب آخر يسبق يقين واشنطن وتل أبيب بأنّ لبنان الراهن هو دولة «حزب الله» فعلياً؛ وأنّ مركز قرار الحزب ليس في بيروت أو الضاحية الجنوبية أو في أيّ من أنفاق نصر الله وملاجئه، بل في طهران وحدها، وعند الوليّ الفقيه دون سواه.
جولات الناقورة الثلاث ليست متجردة من القيمة الرمزية لأنها مفاوضات تجري تحت سمع وبصر الثنائي الشيعي، وتمّت بترخيص جليّ من قيادة |حزب الله» رغم جعجعة أولى بلا طحن حول تركيب الوفد وحظر التصوير؛ ولم يعلنها أوّلاً رئيس الجمهورية أو رئيس حكومة تصريف الأعمال أو وزير الطاقة والمياه أو قائد الجيش، بل رئيس البرلمان بوصفه أيضاً زعيم حركة «أمل». والحزب المنشغل بقتال أبناء الشعب السوري في أربع رياح سوريا، والأصمّ الأبكم أمام الضربات الإسرائيلية التي لم تتوقف عن استهداف عناصره ومعسكراته وقوافله ولم توفّر البتة رجال «الحرس الثوري» الإيراني أينما ثقفتهم الصواريخ الإسرائيلية على الأرض السورية؛ هو ذاته الحزب الذي يسيل لعابه اليوم أمام احتمالات النفط والغاز، ليس حرصاً على تخليص اللبنانيين من بعض مآسي الجوع والغلاء والندرة، وإنما لإحكام قبضة عسكرية وأمنية أشدّ على مقدّرات الشعب اللبناني وما تبقى من دولته «العتيدة».
العازف في الناقورة أمريكي في المقام الأوّل، والموسيقى تدين بالكثير للسفير ديروشر قبل مساعد الوزير شنكر؛ غير أنّ الرقصة أبعد ما تكون عن نفي صفة التانغو، الذي يحتاج إلى راقصين اثنين، وإلى أطوار شدّ وجذب، ونأي واقتراب، لا تغيب عنها في كلّ حال برهة عناق هنا أو احتضان هناك. والسياقات ليست عشوائية بأية حال، إلا عند مستغفلي العقول، إذْ أنّ التاريخ يشير إلى 10 سنوات على الأقلّ من التفاوض، المباشر وغير المباشر، حول ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وفلسطين التاريخية. ولم يكن بغير مغزى أنّ دولة الاحتلال أبرمت مؤخراً اتفاقيات ثنائية مع قبرص واليونان لإنشاء أنبوب EastMed الذي ينقل ما قيمته 6 مليارات دولار إلى أوروبا، وأنّ هذا الحلف الثلاثي هو الذي أثار حفيظة تركيا ودفعها إلى الدخول على خطّ غاز المتوسط. كذلك فإنّ أي كسر لمحرّمات التفاوض مع دولة الاحتلال، حتى على مستوى «اتفاقية إطار» لبنانية ـ إسرائيلية حول ترسيم الحدود البحرية، لا يمكن إلا أن تخدم مناخات التطبيع المهيمنة اليوم في المنطقة.
جولات الناقورة مناسبة جديدة تُبرز ترهّل مثال «حزب الله» السياسي والعقائدي، ثمّ الأخلاقي استطراداً؛ وهي تُضاف إلى مناسبات سابقة مثل لكنّ «غزوة بيروت» في أيار (مايو) 2008، والفشل في تأمين أغلبية برلمانية بعد انتخابات حزيران (يونيو) 2009، والعجز عن الثأر لاغتيال عماد مغنية في ما أسماه نصر الله «الحرب المفتوحة» على دولة الاحتلال، وعدم ترجمة مبادىء ميثاق الحزب الجديد إلى تطبيقات سياسية واجتماعية على الأرض، والصمت عن معارك الإصلاحيين في إيران مقابل التعاطف الضمني مع السلطة وإعلان هوية «إثنا عشرية» صريحة للحزب، وازدواجية المعايير في المواقف من انتفاضات العرب، والتدخل العسكري إلى جانب نظام بشار الأسد…
وجولات الناقورة مشهد جديد يظهّر، أكثر فأكثر، حال الخسران الكاسح التي تعرّض لها «حزب الله» على الصعيد الشعبي الإسلامي عموماً، والعربي والسوري بصفة خاصة وأكيدة، جرّاء الحصيلة السابقة؛ وخاصة انكشاف المزيد من الأباطيل حول ميليشيا تزعم مقاومة دولة الاحتلال، ولكنها لا تقاتل إلا أبناء الشعب السوري، وتنخرط بأكثر من صفة في رقصة التانغو مع ذاك الذي تدّعي مقاومته.