//Put this in the section
يوسف بزي - المدن

رغبات كلودين عون و”طريق القدس” – يوسف بزي – المدن

على قدر ما بدت ميّ خريش، نائبة جبران باسيل في التيار العوني، في تلفّحها الكوفية الفلسطينية، ذات إطلالة تلفزيونية، معبّرة عن انتسابها إلى “الممانعة” على نحو استعراضي، وبخفّة كاريكاتورية إلى حد الاستفزاز.. جاءت في المقابل تصريحات كلودين عون روكز الداعية إلى السلام مع إسرائيل بكثير من الاستسهال والتبسيط. وكان باسيل نفسه قد جمع بين كاريكاتورية خريش وسذاجة السيدة كلودين، إن في المزايدة بالممانعة أو بنفي الصراع الأيديولوجي مع إسرائيل في آن معاً.

والحال، أن بيئة الممانعة نفسها تتيح هذا الابتذال للمعاني وللسياسة والأيديولوجيا، فهي المحترفة في توليد الشعارات واستهلاكها إلى حد الهباء. ويمكن اختصارها كلها في سيرة وتاريخ شعار “الطريق نحو القدس”، وما أفضى إليه من طرق في كل الاتجاهات.




وهذا ما يدركه التيار العوني جيداً، فيسعه أن يكون فاحش العنصرية تجاه السوريين والفلسطينيين، وبالغ الانحياز إلى “سوريا” و”فلسطين” كشعارين مجردين من بشر وحياة.

وتطرح اليوم مفاوضات الترسيم، أو على ضفافها، لغواً هو مزيج من الشماتة بالممانعة (وهي تستحقها..) ومن الاستخفاف بضراوة المفاوض الإسرائيلي، بل والاستخفاف بخطورة التعقيدات السياسية الإقليمية والدولية وتأثيرها على الداخل اللبناني، البالغ الضعف والمجرّد من أي حصانة وطنية. عدا عن الخفّة في مقاربة القضية الفلسطينية إن عند “التطبيعيين” أو عند “الرفضيين”، ما لا يبشّر بالخير في مقارعتنا التفاوضية مع إسرائيل. وعلى الأرجح، فإن هذا الاستحقاق كما سوابقه التاريخية، غالباً ما ينتهي نزاعات داخلية أو انفجاراً وطنياً، كان مثالها الأخير في تحويل الحرب مع إسرائيل في صيف 2006 إلى “احتلال” لوسط بيروت وصولاً إلى دكّ الدولة ومؤسساتها كلها وتهالك البلاد انحطاطاً وانهياراً.

وإذا تجاوزنا التساؤل عن موقع كلودين عون ودورها وما هو دافعها إلى التصريح في قضايا مصيرية، لا يمكننا إغفال حقيقة تمثيلها لـ”مزاج” عوني يتقلب بين المحور الإيراني والهوى الأميركي، ببهلوانية مدوّخة صقلها وبرع فيها جبران باسيل، الذي “فهم” أكثر من غيره براغماتية الممانعين ووصوليتهم السياسية.

ولسان حال اللبنانيين اليوم هو التساؤل لو أن قرار بدء مفاوضات ترسيم الحدود اتخذته حكومة غير منصاعة لحزب الله، أو لو أن تصريحات السيدة كلودين أو النائب جبران باسيل أو الرئيس ميشال عون، تفوه بها أحد خصوم حزب الله، كيف كان رد فعل أولئك “الممانعين”. وهم بطبيعة الحال يعرفون الإجابة ويدركون إلى أي مدى حدث استهلاك “التخوين” بالقدر ذاته الذي حدث فيه استسهال العمالة.

وعلى منوال “وحدة المعايير” التي يرددها العونيون اليوم، يسكت حزب الله وحلفاؤه عن ما ينطق به باسيل وزياد أسود والسيدة كلودين، مقابل سكوت العونيين عن تخوين حزب الله نفسه للبطريرك مار بشارة الراعي، الداعي إلى “الحياد” وحسب.

وإزاء هذا كله كان بلاؤنا في السياسة كما في الأيديولوجيا، تفاوضاً أو “مقاومة” أو ترسيماً مستحيلاً لحياة وطنية ذات حدود غير سائبة.