//Put this in the section

نقاش وكتاب! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

في الأيام القليلة الماضية، سمحت الظروف بأن أتجاذب أطراف الحديث مع دبلوماسي مرموق لإحدى دول أوروبا الغربية، في موضوع آخر غير جائحة «كوفيد – 19» التي شغلت الناس والعالم. ولكن الحديث كان عن أزمة الرسوم المسيئة بحق النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، وردود الفعل المختلفة عليها؛ في فرنسا الشعبية والرسمية والإعلامية، وعند المسلمين رسمياً وشعبياً. دخل كل طرف منا في نقاش فلسفي معمق عن القيم والمعاني، ما بين قداسة الأنبياء في ثقافة المسلمين، وقداسة حرية التعبير والرأي في الفكر الغربي. واستشهد كل منا بآراء وأقوال تدعم حجته وموقفه.

بعد نقاش طويل أرهقتنا فيه الكمامة المفروضة، وساعات الكلام، غادرنا المكان على موعد قريب لاستئناف الحوار. عدتُ إلى منزلي، ودخلت مكتبتي، وقررت إهداء الرجل كتاباً مهماً يقيني أن فيه فائدة للفهم في هذا الموضوع. الكتاب هو: «… وأن محمداً رسول الله: تبجيل النبي في التدين الإسلامي»، للمستشرقة الألمانية الاستثنائية آن ماري شيمل التي رحلت عن دنيانا منذ سنوات قليلة؛ فلقد أمضت المؤلفة ما يقارب الأربعين سنة من عمرها في البحث والاطلاع على مصادر الثقافة الإسلامية، في رقعة جغرافية امتدت من طنجة إلى جاكرتا، وبألسنة ولغات تقارب العشر: العربية والفارسية والتركية والأوردية والبشتونية والسندية والبنجابية والسواحلية، مضيفة إلى ما كُتِب في الموضوع نفسه بالألمانية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية والروسية واليابانية، وزيارات ميدانية إلى بلاد المسلمين، قامت بها بنفسها لترى شخصياً مفهوم التبجيل الشعبي العميق، والمحبة الخالصة لشخص النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، وأثر فيها بشكل مدهش، مما جعلها تؤلف الكتاب كشهادة للتاريخ منها بذلك.
ويدرك تماماً كل المهتمين بالشأن الأكاديمي مكانة آن ماري شيمل، وثقلها، ومصداقيتها في مجال الاستشراق عموماً، والتاريخ الإسلامي منه تحديداً.




في الكتاب مواقع كثيرة تشرح بأمثلة مسهبة مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم، والمحبة المزروعة في قلوب أتباعه، بحيث تدمع عيونهم حين تذكره، والاشتياق لزيارته والانغماس في صياغة المدائح النبوية، والاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وعدم التجرؤ على رسم وجهه الشريف تعظيماً وتكريماً حتى في المنمنات التاريخية التي رسمت رحلة الإسراء والمعراج، بحسب الروايات، لم تُظهِر وجه النبي الشريف، بل إن بعض المنمنات تضع وردة حمراء في منتهى الجمال رمزاً لاسم النبي عليه الصلاة والسلام، وهناك بعض البلدان تطلق على أولادها الذكور محمت وممادو تشبيهاً باسم النبي (صلى الله عليه وسلم) وتأدباً معه في آن، حتى حين يُساء إليهم لا يُساء إلى الاسم الشريف.

إنها مجرد أمثلة من فيض تظهر الكاتبة فيه التطبيق المعنوي العميق لمعنى «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه». أعجب الرجل بالكتاب، وشكرني عليه، وقلتُ له إنه خلال بداية أزمة الرسوم المسيئة بحق الرسول صلى الله عليه وسلم، التي بدأت من الدنمارك، طُلِب مني التعليق على ردة فعل المسلمين التي حصلت، فظهرت على نشرة الأخبار الرئيسية في التلفزيون الدنماركي، واستشهدت بحادثة مهمة حصلت في الولايات المتحدة، وتحديداً خلال حقبة الثمانينات الميلادية، عندما تم تفجير ممنهج لعيادات الإجهاض المرخصة رسمياً في أكثر من ولاية، وقُتِل على أثرها أطباء وممرضات، ووقتها تم اتهام جماعات الإنجيليين المسيحيين اليمينيين المتطرفين بأنهم خلف تأجيج موجة التفجيرات الدموية هذه. فما كان من صحيفة مدينة أتلانتا كبرى مدن ولاية جورجيا المشهورة «أتلانتا سنتنيال» إلا طباعة كاريكاتير للسيد المسيح عليه السلام، وعلى رأسه إكليل مصنوع من أصابع ديناميت، وبعد طباعة العدد، أوقفت إدارة الصحيفة توزيعه بحجة أنه «سيهين شريحة كبيرة من قرائها»، وكانت هذه المرة الأولى التي يسمع عنها التلفزيون الدنماركي بهذه الواقعة، وأضفت أن في الغرب اليوم مفهوماً جديداً يضاف للمفهوم القانوني، وهو مفهوم «غير اللائق سياسياً»، وهو المفهوم القوي الذي بات «يهذب» ألفاظ الناس في تعاملهم مع الآخرين، بشكل واضح مقارنة مع ما كان مسموحاً به في السابق.

ولعل أحد أهم المواقف التي تم اتخاذها من «مجلس حكماء المسلمين»، برئاسة شيخ الأزهر، هو الاستنكار المفنَّد والعقلاني، وتحويل المسألة إلى قضية قانونية يُكلّف بها مكتب قانوني للدفاع عن ادعاءات المسلمين في هذه المسألة. وقد يكون هذا أحد أهم المكاسب في إعادة صياغة الدفاع عن القضايا، والانتقال من شكل عاطفي بحت إلى شكل عملي قابل للقياس.