//Put this in the section

عودة الحريري ما لها وما عليها

عبد الوهاب بدرخان – النهار

بديهي أن تكون “ثورة 17 تشرين”، بتنوّعها السياسي والمطلبي وأهدافها الجذرية للتغيير، ضد عودة سعد الحريري الى رئاسة الحكومة على رغم أنه كان جيّر استقالته لمصلحتها. فـ”الثورة” اعتبرته أحد أطراف منظومة السلطة المُراد إسقاطها، لكنها لم تحصل على استجابات مماثلة من رئاستَي الجمهورية والمجلس النيابي، اللتين استخدمتا كل الوسائل لقمعها وإحباطها، بما في ذلك فقء العيون والسجن والضرب والتنكيل والتشهير. بعد عام على “الثورة” والاستقالة، وثلاثة أشهر على كارثة المرفأ، لم يعد البلد في حاجة الى إصلاح فحسب، بل الى إنقاذ. هل الحريري هو “المنقذ”؟ هذا ما عليه أن يثبته، وقد نبّهه ممثل الأمم المتحدة في بيروت الى عدم توقّع “معجزات” من الخارج، أي أن كل شيء يتوقف – أولاً – على الأداء الحكومي والسياسي في الداخل.
لم توفّر الاستقالة استجابةً لـ”الثورة” رصيداً للحريري، لكنها عَنَت حينها ويُفترض أن تعني الآن أكثر سقوط “التسوية الرئاسية” التي استخدمها ثلاثي الحكم (“حزب الله” وحركة “أمل” و”التيار العوني”) للعربدة السياسية، معتمداً على وجود الحريري كواجهة، وعندما بادرت السعودية الى كسرها راح الثلاثي يمارس عربدته بلا وازع أو ضوابط، استناداً الى أن الحريري فقد عنصر قوّته الأهمّ. زاد حسن نصرالله من تهجّماته على السعودية، وتعمّد جبران باسيل خرق كل إجماع عربي لتقديم أوراق اعتماده “الرئاسية” الى طهران ودمشق. لم يدرك “الحزب” و”التيار” مدى الضرر الذي يلحقانه بالبلد بإخراجه من الاحتضان العربي، وحتى الدولي، الى أن وقعت الواقعة وتحوّلت العربدة إدارةً للانهيار ولا شيء سواه.
من شأن الحريري العائد أن يبرهن السقوط النهائي لتلك اللعبة الجهنمية، وألا ينسى أن أطراف “التسوية” لم تستضعفه فقط بل أطاحت، بوعي ومن دون وعي، رصيده الوحيد: “مشروع سيدر”. لم يكن خافياً على أحد دوره الرئيسي في بناء ذلك المشروع، كـ”انقاذ” مبكر للاقتصاد، حتى بشروطه الإصلاحية القاسية، التي كانت لتكون حينها أقلّ قسوةً من شروط متوقّعة من الخيار الوحيد المتبقّي: صندوق النقد الدولي. وليس خافياً أيضاً أن “حزب الله” و”التيار العوني” استغلّا غالبيتهما في البرلمان لارتكاب أفدح الأخطاء، بعد انتخابات 2018 بتأخير ولادة الحكومة، ثم بالتوتير والعراقيل لتعطيل مفاعيل “سيدر”.
يُفترض أن يكون الحريري تعلّم من هذه التجربة ومن “الثورة”، لكن عليه ألّا يراهن على أن “الحزب” و”التيار” تعلّما أيضاً، فهما يبحثان عن أي سبلٍ للحفاظ على “نظامـ”ـهما الفاشل، ويريدانه أن يعمل لـ”انقاذهما” وليس انقاذ بلد ودولة واقتصاد بذلا كل جهد لإسقاطها. عليه أن يُظهٍر سريعاً أنه عنصر تغيير حقيقي في “المنظومة” وليس ضامنَ استمراريتها، لأنها ستُفشله حتماً. كان البطريرك الراعي تمنّى ألّا يضع الحريري المسيحيين وراء ظهره، وليته تمنّى على “التيار” و”الحزب” و”أمل” أن يكفّوا عن وضع اللبنانيين بكلّ انتماءاتهم وراء ظهورهم.