//Put this in the section

أجندة عون الوزارية: حصة وازنة لباسيل… هل يشكل الحريري حكومته مع “حزب الله”؟

ابراهيم حيدر – النهار

الاجواء الإيجابية التي سادت بعد تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة، لا تعني انتهاء الخلافات حول هويتها وتركيبتها، أو أن العقبات ذّللت لإعلان تشكيلة وزارية في وقت قياسي، فالأمور لا تزال في بداياتها، وتحتاج الى عبور الكثير من الأسلاك الشائكة في ضوء الشروط والشروط المضادة، على رغم أن كل القوى السياسية بما فيها رئاسة الجمهورية تعاني أزمات مصيرية كون البلاد تمر في مرحلة خطرة وتقترب من الإنفجار الذي يمكن أن يطيح بما تبقى من مؤسسات وبكل ما تعتبره القوى السياسية والطائفية مناطق نفوذ وهيمنة لها.
كل الكلام عن قرب تشكيل الحكومة يدخل في باب التكهنات، وهو كلام يستند إلى الأجواء الإيجابية التي طبعت استشارات الحريري غير الملزمة، خصوصاً في اللقاء بين الحريري ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، ثم زيارة الحريري إلى رئيس الحمهورية ميشال عون لوضعه في أجواء الاستشارات. ويبدو وفق مصدر سياسي متابع أن الخلافات لا تزال قائمة في عدد كبير من الملفات، لكن جرى الحسم أن الحكومة لن تكون حكومة مستقلة، بل حكومة اختصاصيين سياسية بأسماء غير حزبية تسميها القوى السياسية والطائفية، بغض النظر عن عدد وزراء الحكومة التي لن تكون أقل من 20 وزيراً، إذ أن اقتراح الحريري تشكيل حكومة من 14 وزيرا جوبهت بالرفض من عون و”حزب الله” وكذلك حكومة من 18 وزيراً لا تحظى بتأييد الكاثوليك والدروز. كما أن الخلاف على الحقائب لا يزال متفجراً في عملية التشكيل، وهو ما قد يجعل الحريري يقدم تنازلات في توزيعها، تعيد الامور إلى ما كانت عليه في السابق، إنما بأسماء غير حزبية مباشرة.
بعد انتهاء استشارات الحريري بدأت تتكشف التعقيدات في عملية التشكيل، إذ أن كل القوى السياسية والطائفية، تتطلع إلى مرحلة ما بعد التأليف وكيفية مواجهة الملفات المحلية والإقليمية وتلك المرتبطة بالتدخل الدولي، خصوصا بعد انفجار الرابع من آب المروّع، لذا هي تأخذ بالاعتبار لما ستتصدى له الحكومة العتيدة، فتقاتل لتحسين مواقعها والموازين داخلها، إذ أن الاستحقاقات المقبلة للحكومة لن تتوقف على الشأنين المالي والاقتصادي وهما ملفان يشوبهما خلافات كثيرة حول التوجهات في ما يتعلق بمفاوضات صندوق النقد والمساعدات الدولية وشروطها، بل أيضاً بملفات إقليمية ودولية أولها المفاوضات مع إسرائيل وترسيم الحدود، وليس آخرها ملف العقوبات والعلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية. ويظهر أن تشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب على صلة مباشرة بهذه الملفات المطروحة، طالما أن ضغط الانتفاضة الشعبية انتهى بعدما أُخمدت، ولم تعد مؤثرة، والدليل أن المفاوضات حول تأليف الحكومة لا يتحدث عن حكومة مستقلة وإن كان الحريري يرفع شعار الإنقاذ.
لكن في الملفات الخلافية، يريد رئيس رئيس الجمهورية أن يكون هو المرجع في القرار في ما يتعلق بمسارات اساسية للحكومة، أوّلها ملف الترسيم الذي يريد يكون له كلمة الفصل فيه في ضوء التطورات الإقليمية ومسار التطبيع، إذ تكشف المعلومات أن عون فاتح “حزب الله” في هذا الموضوع ليحقق مكاسب في هذا الشأن تصل الى تفاهمات معينة حول الترسيم بالعلاقة مع الاميركيين من دون أن تصل الأمور إلى التطبيع مع إسرائيل، خصوصاً مع استمرار الضغوط والعقوبات.
يُفهم من الأجواء الإيجابية في مفاوضات تشكيل الحكومة، وفق المصدر السياسي أن عون يريد تسجيل إنجاز معين في ما تبقى من عهده، وإنقاذ بعض رصيده، وهو ما عكسه انفتاح باسيل الذي كان موقفه متصلباً قبل تكليف الحريري. ويظهر أن رئيس التيار الوطني الحر يفاوض لتحصيل حقائب في الحكومة بدلاً من أن يكون خارجها في ظل الضغوط الدولية، إذ أن اصطفافه في موقع المعارضة من دون مشاركة سيؤدي إلى خسائر في موقعه اللبناني والمسيحي، وسيعتبر ذلك وكأنه ضد حكومة الحريري الجديدة وهي حكومة للعهد، والتي باتت واقعاً لا يمكن وقف مساره، كما أن مشاركته عبر وزراء محسوبين عليه سيعطي رئيس الجمهورية قوة داخل مجلس الوزراء، إضافة إلى أن طموحه إلى الرئاسة يستوجب مد خطوط مع الحريري والأطراف التي ستتشكل منها الحكومة بلا خصومات كبرى تنزع عنه التغطية للترشح إلى الرئاسة الأولى.
وأياً تكن الخلافات الحالية والعقبات أمام التشكيل، إلا أن الحكومة ستبصر النور، وإن تأخرت لبعض الوقت، فالفرصة متاحة في الداخل بعد إخماد الانتفاضة وعودة اللعبة إلى ترتيب التوازنات بين القوى الممسكة بالسلطة. وعلى هذا يراهن الحريري على تأليف سريع والانفتاح لتذليل كل العقد. والحريري اليوم هو غير الحريري قبل سنة عندما استقال على وقع الانتفاضة والانهيار، فبالنسبة إليه يبقى وجوده في الحكم والمشاركة في السلطة والشراكة مع القوى الأخرى أقل كلفة من بقائه خارج التركيبة، لا على مستوى البلد، ولا في بيئته السنية السياسية التي يسعى إلى استنهاض جمهوره حولها، وذلك أمام تنطح كثيرين لتسلم هذه المهمة. وهو اقتنع أيضاً وإن كان أعلن تمسكه بالمبادرة الفرنسية، أنه لا يستطيع تأليف حكومة من دون الشراكة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، ولا مع القوى الأخرى بما فيها وليد جنبلاط، وهو يسعى إلى إيجاد مخرج في ما يتعلق بوضع “حزب الله” في الحكومة، لكنه مد يده إلى “الثنائي الشيعي” الذي لا يزال يشكل القوة الأساسية في الحكم مكرساً هيمنته على القرار، على رغم الهامش الذي يتولاه رئيس الجمهورية الذي لديه حسابات خاصة لما تبقى من عهده.
أما “حزب الله، فيريد تشكيل الحكومة والمشاركة فيها، مراهناً على استمرار حصانته في وجه العقوبات الأميركية، وفي انتظار التطورات بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية. وبما أنه أعطى الموافقة على البدء بمفاوضات الترسيم، فلن يقف عائقاً أمام التشكيل، على رغم تمسكه بالمشاركة وبحقيبة نوعية. كل هذا يدل على أن حكومة الحريري التي ستتشكل في وقت قريب وفق المصدر السياسي، لن يكون فيها مركز قوة وحيد، لكنها ستكون حكومة سياسية مقنعة بالاختصاصيين، فيما المعركة ستتركز على الملفات التي ستتصدى لها الحكومة وبرنامجها وبيانها الوزاريين. كل ذلك وسط تغيرات إقليمية ودولية لم يعد معها لأطراف الداخل اللبناني قدرة على الاستقواء بها، باستثناء “حزب الله”…