//Put this in the section

كارثة جديدة تتهدد لبنان.. “أرز الرب” في خطر

يعني الأرز، بالعبريّة والسريانيّة، الصلابة والثبات والديمومة، وبالعربيّة المتانة والرّسوخ. وفي لبنان يطلق وصف “الأرز” على من كبر وشاخ وظلّ منتصب القامة. هذه المعاني استمدت من ميزات شجرة الأرز التي اشتهرت بها عبر العصور والحضارات، لكنها لم تعد تعبر عن واقع هذه الشجرة، وحال غاباتها في لبنان خلال المرحلة الراهنة.

يشهد لبنان حالة انهيار على جميع الأصعدة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية.




ووسط كل هذا الواقع المزري، يتهدد لبنان انهيار بيئي لرمز هذا البلد الذي يتوسط علمها وجواز سفرها وكل شعارات مؤسساتها الرسمية. شجرة الأرز وغاباته في خطر وجودي وحقيقي أكثر من أي وقت مضى، لأسباب عدة بعضها قديم، أسبابه محلية وبعضها مستجد وأسبابه عالمية.

عام 2012 قام معهد الدراسات البيئية في جامعة البلمند وبمشاركة الدكتور جورج متري، بإجراء دراسة بيئية خلصت إلى أن الجرود (الغابات) المرتفعة في لبنان ستكون في العام 2020 عرضة للجفاف، وبالتالي عرضة أكثر للحرائق وذلك بعد دراسة تأثير التغيير المناخي والسلوك البيئي في البلاد. وتوقعت الدراسة أن تصل الحرائق الموسمية إلى الجرود وتطال الغطاء النباتي فيها، ما يعني غابات الصنوبريات والسنديان والأرز وما تضمه من تنوع نباتي وبيئي. لم تؤخذ تلك النتائج بعين الاعتبار في الخطط البيئية الرسمية منذ ذلك الحين.

بعد 7 سنوات، وتحديداً في أكتوبر من العام الماضي 2019، شهد لبنان لمحة عما توقعته الدراسة في حينها، واندلعت حرائق ضخمة قضت على مساحات ضخمة من الأحراش والغابات والغطاء النباتي، ووصلت إلى المناطق الجردية الواقعة على ارتفاعات لم تكن تبلغها الحرائق في الفترات الماضية. تكرر الأمر هذا العام وفي الموسم نفسه مخلفاً النتائج الكارثية ذاتها، ويبدو انه سيستمر في السنوات المقبلة بحسب ما يتوقع الدكتور متري في حديثه مع موقع “الحرة”.

خطر “السفلسيا”

ليست الحرائق ما يشكل خطراً داهماً على الأرز اليوم، ولو أنه يهددها مستقبلاً إذا ما واصلت الحرائق انتشارها الموسمي الكبير باتجاه المرتفعات، إلا أن الاحتباس الحراري نفسه الذي يؤدي إلى الجفاف واليباس، أدى أيضاً إلى تقوية أحد ألد أعداء شجرة الأرز، حشرة السفلسيا التي تعيش وتتغذى على الأوراق الأبرية للأرز.

هذه الحشرة رصدها عالم الحشرات اللبناني الدكتور نبيل نمر في أواخر تسعينيات القرن الماضي، حين واجهت غابات أرز تنورين وحدث الجبة أضراراً كبيرة عام 1997، أدت إلى يباس وموت عدد كبير من شجر الأرز، تبين أنها ناتجة عن هذه الحشرة التي أطلق عليها أسم الـ Cephalcia tannourinensis نسبة إلى منطقة تنورين حيث رصدت.

الجديد في الأمر أن هذه الحشرة آخذة في التكاثر بشكل أكبر من معدلها الطبيعي بسبب ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض معدلات الهطول المطري والثلجي، الناتج عن الاحتباس الحراري وتغير المناخ، ما سرع في دورة حياة هذه الحشرة. وبدلا من أن تعيش لمدة سبع سنوات في سبات، باتت تخرج كل عام لتتغذى وتتكاثر في غابات الأرز، وفقا للدكتور نمر.

ويضيف: “ليست السفلسيا حشرة دخيلة على الحياة الطبيعية، وموجودة دائما في غابات الأرز في لبنان وتتأقلم بل وتساهم أحيانا في تكاثر الغابة وصحتها، فحين تأكل بعض الأبر والأغصان في الغابة الكثيفة تسمح للشمس بالوصول إلى الأرض وإنبات أشجار جديدة، ولكن المشكلة اليوم في فقدان التوازن البيئي الذي تعاني منه الغابات. فمنع دخول الماشية والرعاية المدروسة في الغابة، إضافة إلى منع القطع والتشحيل العلمي للأشجار، أدى الى كثافة كبيرة في الغابات لاسيما تنورين، وجعلت هذه الغابات موطناً دائما للحشرة يتوفر فيها طعامها بكثرة، ثم أتى الصيد الجائر والعشوائي ليقتل الطيور التي تتغذى على هذه الحشرة، ما أوصلنا إلى هذا الحجم من التفشي”.

منظمة “غرين بيس” نشرت أواخر الأسبوع الماضي، فيلما وثائقياً حول هذه الحشرة والمخاطر التي تتسبب بها على غابات الأرز في لبنان. ويقول مسؤول برنامج حملات غرين بيس في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، جوليان جريصاتي لموقع “الحرة” “إن الرسالة من هذا الوثائقي التوضيح للناس في لبنان وفي الشرق الأوسط أن التغير المناخي نتيجة الاحتباس الحراري ليس خطراً مقبلاً على المدى البعيد وإنما واقع بيئي نعيشه فعلا اليوم، واحدة من آثاره الدالة عليه أزمة غابات الأرز في لبنان التي تعاني من أخطار عدة ناتجة عن هذا الاحتباس الحراري كالحرائق وحشرة السفلسيا وانخفاض معدلات الأمطار والثلوج.”

الحل الوحيد حالياً لمواجهة هذه الحشرة، بحسب الدكتور نمر، هو اللجوء إلى الحلول الطبيعية والأقل إضراراً بالغابة، فاستخدام مواد كيميائية قوية ممنوع بحسب قانون الغابات في كل العالم، “وعليه يجب البحث عن الأعداء الطبيعيين لهذه الحشرة في الغابة كالطيور وبعض الطفيليات وأنواع الفطر التي تتغذى وتقتل هذه الحشرات، وبالتالي علينا العمل على مكافحة الحشرة عبر إكثار أعدائها الطبيعيين.”

الإدارة.. حاجة بيئية

سبق لمتري أن أجرى دراسات عدة حول تصنيف المساحات الحرجية والأشجار في لبنان، شجرة الأرز كانت محوراً لإحدى هذه الدراسات، وتبين فيها أن أولى التحديات التي تواجه الأرز في لبنان هو تحول غاباته إلى جزر خضراء منعزلة عن بعضها البعض على امتداد الجغرافيا اللبنانية.

ويحتضن لبنان اليوم عددًا محدودًا من أجمّات الأرز المبعثرة في أرجائه، ومن تلك المحميات: “حرش إهدن” و”حدث الجبّة” و”تنورين،” و”أجمة جاج” في قضاء جبيل التي لم يبقَ منها إلا بعض الأشجار المنتشرة فوق القمم، و”أرز الباروك” التي يزيد عمر أشجارها على 350 سنة، إضافة إلى حرش “عين زحلتا” و”معاصر الشوف”.

المحافظة على هذه الغابات تحتاج إلى إدارة، يؤكد الدكتور متري، “والإدارة تتطلب نشاطاً، ليس فقط بتصنيفات وقوانين حماية بل أحيانا نحتاج إلى تدخل ومعالجة. وقبل كل هذا نحتاج إلى عملية جرد للاشجار بأنواعها ومخاطرها وحجم نموها أو تراجعه أو الحرائق. كل ذلك يحتاج إلى دراسة وعمل على أساس الدراسات، إذ لا يمكن حماية الغابات من خلال النظر، تحتاج الأشجار إلى تشحيل وتدخل وتخفيف ونزع المكسر والمحطم منها ولا يكفي قانون حماية دون إدارة.”

يشرح متري أن الإدارة الحالية دائما ما تسير وفق ردة فعل، فعندما ضربت الحشرة، تدخلت وزارة البيئة والزراعة  مع الجيش ورشوا مبيدات. كذلك في أوقات الحرائق، ولكن ما من إدارة استباقية تقدم أجوبة وخطة عمل واضحة، هل يجب أن نزيد عدد ومساحة زراعة الأرز أم لا؟ أين نزرع وكيف وعلى أي ارتفاع؟ كل ذلك يجب تقديره وفقا لواقع الحال والدراسات التي سبق أن أجريت، بالملخص ما من خطة رسمية لتنمية غابات الأرز في لبنان.

يوافق الدكتور نمر على هذه الحاجة، ويرى أن غابات الأرز كما هو حال كل الغابات في العالم، إن لم يكن لديها إدارة ناجحة لا يمكنها أن تتخطى التهديدات التي تواجهها بشكل مستمر، كالاحتباس الحراري والحرائق والحشرات والأمراض وحتى أثر الإنسان ونشاطه.

ويقول: “فقدان الإدارة من الغابات في لبنان هو ما يسبب لنا مشاكل كبيرة، إذ لا يمكن أن نترك غابة لتنمو وحدها، هذا غير موجود في قاموس الغابات، ولكي تكون سليمة تحتاج إلى إدارة، مثلا هناك أشجار صغيرة تنمو في ظل الأشجار الكبيرة داخل المحميات والغابات والقانون يمنع التدخل في المسار الطبيعي، لكن هذه الأشجار في النهاية ستنافس الأشجار الأكبر منها والمحيطة بها على العناصر الغذائية والمعدنية المتوفرة في التربة وعلى كميات المياه المتساقطة والمخزنة في المكان. لذلك يجب أن يكون هناك تدخل وإدارة لحماية الغابة من التعب، الأمر نفسه بالنسبة للحرائق التي تتطلب تنظيفا مستمرا لجوانب وداخل الغابات، أو الرعي في الغابات مثلا، وهو ممنوع حالياً كلياً ولكن يجب في مرحلة ما إدخال بعض القطعان لرعاية الحشائش المضرة والتي تنافس الشجر على موارد الأرض. ديمومة الغابة تحتاج إلى تبادل وتواصل مع الإنسان. وليس كل شيء إعادة تحريج كحل وحيد ونهائي لكل المشاكل.”

على من تقع المسؤولية؟

يؤكد متري أن “قانون الغابات لا يطبق بشكل حازم كما هو حال كثير من القوانين في لبنان، ومع ذلك هذا القانون بحاجة إلى تحديث فهو أقر في العام 1940، أما اليوم نحتاج قانونا عصريا يستجيب للتحديات العصرية، وعلى وزارة الزراعة أن تسرع في عملية إعداد قانون جديد للغابات وحديث ليتماشى مع المتطلبات المستجدة. مثلا الجبال العالية من 1500 متر صعوداً منطقة حساسة جدا تحتاج إلى إطار قانوني خاص بها لحمايتها، ويجب على المجتمع المحلي أن يعمل على تبني قانون خاص بالجبال العالية وفي هذا القانون يعمل على إجراء تنمية مستدامة لهذه الجبال وحمايتها.”

من ناحيته، يطالب نمر السلطات بتفعيل قسم لصحة الغابات وإدارتها “وهذا ما نفتقده في وزارة البيئة والزراعة والبلديات المعنية، حيث لا يكفي تقدير البعد الجمالي للغابات وإنما أيضا الاهتمام بصحته وحاجاته، المسؤولون لم يفكروا بالتعامل مع الغابة ومواكبتها صحياً والمسؤولية تنقسم على كل الإدارات المعنية التي لم تقم بواجباتها. يستمعون إلينا دائما ويظهرون اهتماماً سرعان ما يتبدد أمام الإمكانات الضئيلة وقلة الموارد، رغم أن الأمر يحتاج نية ولا يحتاج إلى موارد كبيرة وإنما لخطط مستدامة في بلد لا تضم كل جامعاته اختصاص غابات، وهذا سبب أساسي لغياب الاهتمام لدى الدولة بالغابات حيث تتعامل معها كأنها حديقة.”

ويضيف: “يجب أن نعود إلى مبدأ الغابات، فالغابة بالإضافة إلى التنوع البيولوجي فإنها أيضاً مورد للإنسان لذلك يجب إعادة العلاقة بين الإنسان والغابة، ما سيحد من استفحال الأمراض والحشرات، من ضمن ذلك يجب أن نعيد السماح لأنواع من الماشية الدخول إلى الغابة وقطع بعض الأشجار اليابسة والمتنافسة بين بعضها التي تضعف بعضها والغابة معها.”

ماذا لو فقد لبنان أرزه؟

13% من أراضي لبنان، هي عبارة عن غابات كثيفة و11% منه غابات أقل كثافة. ولكن هذا الغطاء في تراجع مستمر بسبب عدة تهديدات من بينها تمدد العمران والكسارات والمرامل والقطع الجائر والحرائق وشق الطرقات العشوائي. وبينما كان معدل فقدان المساحات الحرجية يوازي 1000 هكتار في السنة فإن العام الماضي شهد خسارة 3000، وهذا العام 2000 هكتار حتى اليوم، والرقم مرشح للتصاعد، وفقا لمتري.

ويضيف: “هذا النوع من الغابات يعتبر من الغابات المعمرة التي تحتاج لسنين طويلة لتنمو وتكبر، وبالتالي الشجرة المعمرة التي نخسرها لا يمكن تعويضها وهذا يجب أن يكون أولوية لكونه لا يعوض، قد يكون التلوث أمرا مقدورا على وقفه وتنظيفه وإزالته، لكن التراث البيئي أمر آخر، والخسارة فيه دائمة لا يمكن إدخاله في صراع الأولويات مع الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي يعانيها البلد، يجب أن تعرف الناس أن الخسارة الدائمة التي لا تعوض ستكون قيمتها كبيرة، أما إذا حافظنا الآن عليها نربحها للمستقبل ونضمن بقاء هذا التراث البيئي للأجيال القادمة”.

من جهته، يؤكد نمر أنه بفقدان غابات الأرز في لبنان “سنفقد كل مقومات العيش في بيئة سليمة، سيؤثر ذلك على كل شيء على نوعية الهواء الذي نتنشق، على التربة التي نعيش فوقها ونعمر عليها ونزرعها، سيؤثر على المناخ ويزيد الجفاف ويقضي على كل الغطاء النباتي وسيؤثر على الحيوانات، وستتحول أرض لبنان إلى أرض غير صالحة للعيش، ولا ننسى أن الغابة مورد اقتصادي للبنانيين ولاسيما للمجتمعات المحلية، يجب الاستثمار فيها بطريقة مستدامة تراعي البيئة وتحافظ عليها والاستثمار فيها وليس عليها، وهذا سيدر على اللبنانيين موارد قد تكون أكبر من الزراعة والصناعة في محيطها.”

“لا يمكننا القول دائما إن الأرز لا يموت. صحيح أن قدرتها على التحمل كبيرة، ولكنها تموت ولديها عمر محدد، ولو كان معدله مرتفعا. أرز لبنان مهدد نعم، وهناك خطر خاصة بالنسبة للغابات القديمة، اذا لم نغير سياسة الغابات في لبنان واقتصرت الإجراءات على التشجير دون حماية الغابة أو تأمين ديمومة واستدامة لها فإنها كلها مهددة بالاندثار في السنوات القادمة”، يختم نمر.