//Put this in the section

الهرب من جوهر الميثاق الوطني – رفيق خوري – نداء الوطن

كان مكيافيللي يقول “ان كل جمهورية يجب ان تقرر ماذا عليها ان تكون: روما أو البندقية”. والمقصود هو رمز القوة ام الثقافة والاقتصاد والانفتاح. آباء الاستقلال قرروا ان قدر لبنان ومصلحته الوطنية وخياره الطبيعي ان يكون البندقية. وهذا جوهرياً حجر الاساس في الميثاق الوطني. أما تركيبة السلطة والتوازن ومشاركة “العائلات الروحية” فإنها التنظيم الدستوري والسياسي لإدارة النظام والحوكمة. لكن الخيار الوطني الذي قاد لبنان الى الإزدهار وتسميته “سويسرا الشرق”، جرى الخروج عليه بالقوة، وسط انقسام اللبنانيين. فالمنظمات الفلسطينية صادرت البلد وجعلته “ساحة” فارضة عليه دور روما تحت عنوان هانوي وتحرير فلسطين. والنتيجة كانت دخول الجيش السوري والاجتياح الإسرائيلي والتدخل الاقليمي والدولي في حرب لبنان. ثم جاء المشروع الايراني الذي بدأ بمقاومة “حزب الله” للاحتلال الاسرائيلي، وتطور بحيث صار على لبنان ان يكون “سوبر روما” في حرب دائمة على خريطة المنطقة.

وليس التراشق بالميثاقية في هذه الايام سوى هرب من مواجهة ما يفرضه علينا جوهر الميثاق الوطني. فالميثاقية تبدأ من التفاهم الوطني على الخيارات الأساسية وتنتهي بالترتيبات السلطوية. ومن دون التفاهم الوطني، فان الميثاقية التي يتناوب أمراء الطوائف على استخدام سلاحها في معاركهم هي مجرد ميثاقية “تقنية” حول التمثيل السياسي. وليس هناك تفاهم وطني، لا على دور لبنان، ولا على سلاح “حزب الله”، ولا على دور ذلك السلاح في حرب سوريا وأماكن أخرى، ولا على التوجه عرباً وغرباً أو شرقاً للمساعدة في إنقاذ لبنان. وآخر ما نحتاج اليه هو شرشحة الميثاقية الى حد تحويلها لعنة على الحياة السياسية.




ذلك ان اقل ما يطلبه لبنان المأزوم هو سياسات كبيرة. وأكثر ما يدور ويدار فيه هو الألعاب الصغيرة. ألعاب هزلية في موضوع الحكومة تحت راية المبادرة الفرنسية. وألعاب سطحية على طريقة “نصف حبلى” بعد التسليم بالتفاوض مع اسرائيل على ترسيم الحدود البحرية بوساطة أميركية تحت علم الأمم المتحدة، وضمن “تبادل هدايا” بين أميركا وايران عشية الانتخابات الرئاسية الأميركية.

ومن الصعب العثور على منطق سياسي في تصوير التعثر في تأليف الحكومة بانه انتظار لما بعد الانتخابات الاميركية، مع ان العامل المؤثر فيها هو “كورونا” لا كل الشرق الأوسط. لكن المشكلة الحقيقية هي وضع خيارين خطيرين أمام لبنان: إما حكومة تقوده الى عزلة عربية ودولية وتكمل انهياره، وإما فوضى ولا حكومة بما يكمل الانهيار ايضاً. ولا احد يصدق اننا على الطريق الى حكومة لن تكون ملغومة.

ستالين كرر التحذير من “دوار النجاح”، لكنه لم يعش ليرى “دوار الفشل” في لبنان.