//Put this in the section

هل التزمت المصارف بالإبقاء على سقف السحوبات؟

ايفا ابي حيدر – الجمهورية

رغم تطمينات جمعية المصارف انّها «ستستمر بتأمين السيولة النقدية بالليرة اللبنانية للسوق بشكل طبيعي، وفق ما جرت العادة خلال الفترة الماضية»، فقد لجأت بعض المصارف الى خفض سقف السحوبات اليومي بالليرة او الاسبوعي او الشهري، لا سيما ما يتعلق منها بسحوبات الدولار وفق تسعيرة 3900 ليرة (أي الدولار)، كما لجأ البعض الآخر الى إيقاف خدمة سحب الدولار من ATM وحصرها بالكونتوار.




واجه مصرف لبنان غالبية التحدّيات المالية والنقدية التي مرّ بها لبنان أخيراً بطباعة الليرة كونه لا يستطيع طبع الدولار، فقد لجأ الى ضخ الليرة في السوق، بعدما ارتفع الطلب عليها، إما لشراء الدولار، إما لارتفاع اسعار السلع، أو بسبب اقبال المودعين على سحب كل ودائعهم من المصارف. ومرة جديدة لجأ المركزي الى طبع الليرة لتغطية الودائع بالدولار، التي ما عادت موجودة، فأعطى مقابل كل دولار في البنك 3200 ليرة، وما لبث ان رفع التسعيرة الى 3900 ليرة، كل هذا وطبع الليرة جار. فالمركزي يطبّع ليرات والمودعون يسحبونها ويشترون فيها الدولار، حتى وصل حجم الكتلة النقدية بالليرة في الستة اشهر الأخيرة الى 22 تريليون ليرة، وفق ما صرّح به عضو جمعية المصارف أخيراً تنال الصباح، لافتاً الى انّ كل هذه الأموال خرجت من المصارف ولم تعد.

انطلاقاً من ذلك، قرّر المركزي وضع قيود على السحب بالليرة للحدّ من تدهورها عبر لجم السوق السوداء من جهة وإخراج الأموال (الليرات والدولارات) المخزنة في المنازل من جهة أخرى، الّا انّ هذا التوجّه اثار نقمة شعبية، ما لبثت انّ هدأتها جمعية المصارف، بتطمينها المودعين «انّها ستستمر بتأمين السيولة النقدية بالليرة اللبنانية للسوق بشكل طبيعي، وفق ما جرت العادة خلال الفترة الماضية».

لكن هذه التطمينات لم تطمئن كل المودعين، الذين لجأ البعض منهم منذ مطلع الأسبوع، الى سحب كمية النقدي المسموح بها، تفادياً لتجرّع كأس الدولار المحبوس، وتحول الليرة اللبنانية الى عملة صعبة، ليتبيّن انّه منذ مطلع الاسبوع انخفض سقف السحوبات بالليرة في غالبية المصارف، انما بتفاوت بين مصرف وآخر.

وفي السياق، يشدّد الخبير المصرفي نسيب غبريل على انّ لا توجّه لدى المصارف بخفض سقف السحوبات في الليرة اللبنانية. وقال لـ»الجمهورية»: «انّ القرار الذي أصدره مصرف لبنان يضع سقفاً لسحوبات المصارف في حساباتهم الجارية في مصرف لبنان، على انّ كل مبلغ يزيد عن هذا السقف يتمّ سحبه من حساباتهم المجمّدة لديه، لكن بعدما اعتبرت بعض المصارف انّ هذا القرار سينعكس على سقف سحوبات المواطنين، عمدت جمعية المصارف الى اصدار قرار تؤكّد فيه انّ سقف السحوبات لن ينخفض، وتحث فيه المواطنين على استخدام وسائل اخرى للدفع، مثل التحويلات بين المصارف او الشيكات او بطاقات الدفع». وأكّد انّه «بالاتفاق مع مصرف لبنان قرّرت المصارف ان تتحمّل هذه الكلفة، لذا ليس من المفترض بأي مصرف ان يخفّض سقف السحوبات».

السحوبات مستمرة منذ عام

أما اذا كان هذا القرار قد خلق حالة هلع عند المودعين، وسارعوا بنتيجته الى التهافت على سحب اموالهم من المصارف، خوفاً من تكرار سيناريو الدولار المفقود، قال غبريل: «انّ حركة الودائع في القطاع المصرفي تراجعت في اول 8 اشهر من هذا العام 15 ملياراً و800 مليون دولار، وانخفضت منذ اول العام 2019 لغاية آب 2020 بنحو 31 مليار دولار. وتظهر هذه الأرقام، انّ المودعين يسحبون اموالهم من المصارف منذ مطلع العام 2019، حتى عندما توقفت السحوبات بالدولار استُكمل السحب بالليرة».

وكشف عن ارتفاع الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية في اول 9 اشهر من السنة الحالية بنسبة 125%، وزادت بين ايلول 2019 وايلول 2020 بنسبة 267%، ما يعني انّها عملياً ارتفعت من 6500 مليار ليرة في أواخر ايلول 2019 الى 24 الف مليار ليرة في ايلول 2020. اضاف: «تُظهر هذه الارقام حجم السيولة الموجودة في السوق، ان كان لدى الشركات او لدى الافراد، وتؤكّد انّ الناس تخزن الاموال في منزلها، كما تعمد بعض الجهات الى تخزين الليرات لاستعمالها بغرض المضاربة على سعر صرف الليرة في السوق السوداء».

وعمّا اذا كان فرض قيود على سحب الليرة هو الإجراء الوحيد الممكن اتخاذه لامتصاص الكتلة النقدية في السوق، يقول غبريل: «تعالج المصارف المركزية عادة موضوع التضخم من خلال سياسة تحريك الفائدة، لكن بما اننا في ازمة مالية ونقدية واقتصادية عميقة، فهذه الاداة غير متوفرة اليوم، لذا يبقى الحل بيد السلطة التنفيذية التي عليها اعداد مشروع انقاذي، تعود من خلاله الى طاولة المفاوضات مع صندوق النقد، بهدف الوصول الى اتفاق تمويلي انقاذي معه. فحلّ ازمة السيولة والتضخم يبدأ باستعادة الثقة واستعادة الاسواق لعملها الطبيعي، بحيث يكون بإمكان المركزي تحريك الفائدة للجم التضخم».

ضبابية كاملة… ولا رؤية

وبنتيجة هذه الاحداث، من البديهي التساؤل عن اتجاه او مستقبل القطاع المصرفي اللبناني. وفي هذا الاطار أشار غبريل، الى انّ كل القطاعات وليس فقط القطاع المصرفي، يعمل بضبابية كاملة ومن دون اي رؤية، ليس فقط على المدى المتوسط والبعيد، انما ايضاً على المدى القصير، لأنّ السلطة السياسية استقالت منذ بدء الازمة من مسؤولياتها كاملة. فمنذ ايلول 2019 الى اليوم منتصف تشرين الاول 2020 لم تتخذ السلطات التنفيذية المتعاقبة اي قرار لصالح ثقة المواطن اللبناني، او لتخفيف تداعيات الازمة الاقتصادية والمالية ولانتشال الاقتصاد من الازمة التي يعيشها المواطن والنهوض بالاقتصاد. وقال: «انّ القرار البديهي الذي كان يجب على السلطة ان تتخذه منذ بدء الازمة في غضون ايام، هو اقرار قانون «الكابيتال كونترول»، الذي نوقش لستة اسابيع وسُحب فجأة من التداول وأُرسل الى مجلس النواب. وبدل اقراره، احيل الى لجنة المال والموازنة، ولا يزال يقبع هناك، مع العلم انّ اقرار هذا القانون هو من احد شروط صندوق النقد، فيما لا تزال تتقاذف الجهات السياسية مسؤولية اقرار هذا القانون». واسف غبريل لأنّ القرار الوحيد الذي اتُخذ منذ بدء الازمة هو اعلان التعثر عن تسديد سندات «اليوروبوند»، ونحن اليوم نعيش يومياً التداعيات الكارثية لهذا القرار».