//Put this in the section

“التمدد التركي” أمر واقع أم تهويل لغايات داخلية؟

ابراهيم بيرم – النهار

منذ فترة بعيدة، يغزو الوسط السياسي والاعلامي كلام، مبني بعضه على معلومات ووقائع، وبعضه الآخر على تحليلات وقراءات لها صلة بطبيعة المشروع الاردوغاني “المتلهف الى التوسع” عن تمدد تركي في الساحة اللبناني، على نحو صار يشكل عنصر منافسة لجهات ودول عربية واسلامية، تجد فيه خطرا مستقبليا زاحفا، وبات يتعين عليها إعداد العدة اللازمة للتصدي لهذا التمدد، قبل ان يصير أمرا واقعا مفروضا على المعادلة اللبنانية.
منذ أعوام، ولج الزعيم التركي أردوغان للمرة الاولى في لبنان، بزيارة العاصمة بيروت، وعدد من المناطق (صيدا وطرابلس).
وجد البعض في الزيارة حدثا عابرا معدوم الافق لحسابات تتصل بوضع الشارع السني، لكن اسم انقرة وزعيمها الحصري اردوغان، قد دخل بشكل أكبر من ذي قبل مع الدور الذي في الساحة السورية الداعم لقوى الثورة على نظام الرئيس بشار الأسد، اذ لفت نظر شريحة واسعة خصوصا في الشمال، فيما استغلت أنقرة الوضع الذي ساد في لبنان وسوريا والمنطقة عموما، مع السنوات الاولى من عمر الثورة السورية، وقيل يومها ان القيادة التركية التي راودتها أحلام العودة الى تاريخ مجيد، لم يمض عليه إلا قرن واحد حيث كانت يومها امبراطورية كبرى يحسب لها حساب.
وبالعموم من يومها، أخذ الحضور التركي حيزا ولو غير واسع في الحلبة السياسية اللبنانية، لا سيما بعد ضربات متتالية تلقتها الحريرية السياسية.
وفي الاسابيع القليلة الماضية، عاد شبح الحضور التركي الحيوي المخيم على الساحة اللبنانية، لا سيما بعد رواج معلومات أمنية عن مجموعات تلقت تمويلا تركيا.
وعليه، طرح السؤال نفسه بإلحاح هل في الأمر تهويل وترهيب لغايات مخبوءة معلومة، أم أن الامر جدي في ساحة زئبقية، ومن صفاتها تقبل اي واحد يحمل تحت ابطه مشروعا للاختراق والتركز، وبالتالي صار لزاما ان يحسب له المعنيون ألف حساب؟
يقول باحث متعمق بالشؤون التركية فضل عدم ذكر اسمه ان الحديث عن التمدد التركي في الساحة اللبنانية لا يأتي من فراغ، وان كان الكلام عن مداه المتوسع أمر مبالغ فيه، اذا انه ووفق خلاصة ووقائع ومعلومات توفرت لديه، فإن هذا الوجود لم يصر الى وجود تأثير وتغيير بعد، لكنه وجود لا يمكن تجاهله أو نكرانه، ولقد سبق ان استدعت السلطات الحكومية المعنية السفير التركي، فنفى أمامها معلومات حملت بلاده مسؤولية التواصل مع شخصيات ومجموعات لبنانية، لبناء واقع سياسي أمني يخضع لاحقا لأوامر من أنقرة وتوجهات منها.
وقال: اذا كان طبيعيا ان تنمو في الاوساط اللبنانية حساسية معينة ومخاوف محددة من خروقات تركية للساحة اللبنانية، فإن من البديهي ان تنفي انقرة ذلك.
أضاف: يبقى ان نقول ان مجال المناورة والتحرك التركي في لبنان هو حصرا في الساحة السنية، وتحديدا في المناطق الطرفية القصية.
ولكنه يشير في هذا الاطار الى واقعتين ينبغي أخذهما في الاعتبار:
الاولى: ان القوة السياسية العريقة المؤهلة للتفاعل مع التمدد التركي اي الجماعة الاسلامية غير مستعدة لظروف وحسابات معقدة أن تصير واجهة واداة ورأس حربة للمشروع التركي.
الثانية: ان المزاج العام للساحة السنية هو في فضاء آخر، يناقض المشروع التركي.
لذا فإن التخوف من اتساع الخروق التركية، هو في غير محله، ويكفي ان نذكر في هذا الاطار معارضة صيدا وقياداتها السنية لافتتاح مستشفى تركي (مستشفى الحروق) في المدينة رغم ان البناء والتجهيزات حاضرة.
وبالعموم، ما دام ان ارتباط غالبية السنة في لبنان بالسعودية، فإن ذلك سيبقى حائلا دون التمدد التركي.
ولكن ذلك على اهميته لا يعني ان انقرة بمشروعها الاردوغاني العثماني ستستسلم وتنحني، فهي وفق وقائع متعددة ستعمل على التمدد اينما تجد فرصة وأرضا خصبة في العالم الاسلامي، ولن تستثني لبنان، وهي متواجدة في سوريا والعراق.
ويختم المصدر نفسه: رغم إدراك تركيا لخصوصية الساحة اللبنانية، ومعرفتها أن التمدد فيها أمر صعب ومعقد للغاية، فإن أنقرة في الوقت الحاضر حريصة على أمرين اثنين:
– مد جسور التواصل مع شخصيات سنية لا تدور في الفلك السعودي.
– ان تثبت يوميا بأنها ستظل حاضرة في الساحة اللبنانية ولو “حضور ازعاج” واثبات وجود، وليس حضور تأثير وتغيير.
لكن للوزير السابق سجعان قزي رأيا مخالفا الى حد ما، اذ يقول : ان التمدد التركي في لبنان، لم يعد مجرد تكهن أو تحليل في وقت تخوض قيادة أردوغان “غمار” مواجهات شرسة للتمركز في كل الشرق الأوسط والبحر المتوسط وآسيا الصغرى، ولاثبات حضورها هناك.
ويضيف: الأمر بالنسبة لأنقرة ليس تهمة، اذ سبق لقائدها ان أفصح بشكل أو بآخر عن سعيه الدؤوب لكي يؤدي دور أحمد الفاتح ويتواجد حيث يرى ذلك مناسبا لمشروعه الكبير.
وعليه، يقول قزي، لا نستبعد “خروقا” تركية للساحة اللبنانية، ربما توطئة لما هو أبعد. وللذين يستغربون مثل هذا الاستنتاج نقول: من كان يتصور أن ترجع تركيا الى الجغرافيا السورية وامتدادا الى العراق أيضا.
اذن يضيف قزي: لبنان ليس في منأى عن التمدد التركي عقائديا وأمنيا وسياسيا، وهو حصل منذ فترة، اذ لدى الاجهزة الامنية حسب معلوماتنا تفاصيل أمنية عن هذا التمدد ومعاقله التي تتمركز الان بشكل أساسي في طرابلس والشمال وفي وسط البقاع، وفي ما يبدو الى العاصمة وصيدا محيدة الان.
ويرى قزي ان ثمة اماكن أخرى تشكل أرضا خصبة للحضور التركي وهي مخيمات النازحين السوريين، اضافة الى أجزاء من “مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، اذ لا ننسى الدور التركي في جمع حركتي “فتح” و”حماس” لإجراء مصالحة بينهما في أنقرة أخيرا.
ويؤكد قزي ضروة ان تتحرك الدولة اللبنانية في اتجاه أنقرة لاثارة هذا “الخطر” معها قبل ان يستفحل ويصير أمرا واقعا تصعب معالجته، وليس من الضرورة أساسا ان يكون هذا الامر من باب استعداء هذا البلد، بل من باب ارساء أسس تفاهم معه، خصوصا ان تركيا دولة اقليمية غير بعيدة عنا، ولنا معها علاقات تجارية واقتصادية.