//Put this in the section
سمير عطا الله

دستور نتن وميثاقية مقدسة – سمير عطالله – النهار

“يا بنتي ما بقا عم نام عهمّ عتيق. ما بيلحق يخلص هَم حتى يجي غيرو”
سيدة في “الطريق الجديدة” لمراسلة “الجديد”
ثمة فرادة في دار المختارة ليست عند سواهم. الطائفة الأكثر محافظة تدير شؤونها ذات يوم سيدة، من خلف حجاب أبيض، وتدخل تاريخ لبنان على انها “الست نظيرة”. ومن بعدها تصبح الدار وتاريخها في عهدة اشتراكي متقشف يبحث عن جذور طائفته في الهند. وإذ يُغتال كمال جنبلاط على مشارف المختارة، تؤول الدار حكماً إلى وريث يحب الحياة، ومعاكسة الهواء الطلق فوق دراجة “هارلي دافيدسون”، ولا يطيق السياسة والسياسيين. فما هُم سوى “عَجَزَه”. ويستخدم وليد جنبلاط العبارة Geriatrics ضاحكاً، لأن وقعها بالانكليزية اكثر دقة وحدّة. مجرد توصيف علمي.
في مقابلته مع الزميلة نانسي السبع الإثنين الماضي، تذكّر وليد جنبلاط تلك المرحلة، ليعتذر عن فوضاها وقسوتها. مرحلة اضطراب هائل وزمان مريب يُدار من الخارج. ولا عودة.
كانت “لعبة أمم” ولن يدعها تتسرب بعد الآن الى مداه الوطني. وفي اي حال هو خارج الطبقة السياسية القائمة اليوم، كما كان خارج كوكب الـ Geriatrics بالامس: “دخيلك يا عمّي ما تحطيني معهم”. دخل العمل السياسي بلا خيار، ويستمر رغماً عنه. ولولا نبيه بري لقطع كل نسب او تعامل مع طبقة سياسية قاحلة لم تقدم لبلدها سوى الضحالة والعقم والتنصل، مقابل كل ما اعطاها من جاهٍ وثروات وعفو وسماح.
طبقة عاقّة من طينة السفهاء. قاموس لم يَرِد مرة تحت سقف المختارة منذ اربعة قرون، ولا تحت سقف لبنان، في اي عهد من عهوده، أو اي حرب من حروبه. كم كان أحب على اللبنانيين ان يُقصفوا بالمدافع، من ان يصل قاموس الردح وتصل لغة الردّاحين الى دستورهم. علامة الشهامة الوحيدة، الباقية في جنازات لبنان.
ولا عتب في اي حال، على الذين اشتمّوا من الدستور روائح العفن والنتانة. هذا خطاب صار مألوفاً ومتوقعاً، بل غير متوقع سواه. أما ما هو غير مقبول ومرذول فهو ان يصفق المصفقون وان يهتفوا وأن يهتاجوا هياج الدببة الراقصة للنعوت التي نُعِتَ بها دستور الجمهورية. ما هي مناسبة هذا التبذّل الذي وقفوا يصفقون له، هؤلاء الابطال (النشامى – بلغة صدام حسين) الهائجون غضباً على لبنان؟ لا عتب اطلاقاً على الخطيب المفوّه الشامم رائحة نتانة وعفونة. لا هي المرة الأولى ولا الأخيرة. لقد وقف – او سجد – غير مرة يعطي لبنان درساً في لبنان. ولا هي اول مرة يلقي ويلغي ويهدد. ولا هي اول مرة يطرح نفسه في مواجهة لبنان والعرب والأمم، ومن ثم الكون، بحسب التعبير المفضل لديه. لكن الدستور شيء قابل للتعديل وللتصحيح وحتى للإلغاء. لكنه غير قابل اطلاقاً للإهانة والتحقير والنكران. لقد اختار الزعيم هذه المرة اساءة اكبر منه واكبر منا واكبر بكثير من نفوس الجمهور المصفق بأيدٍ آثمة وملوثة. تُغتفر للخطيب امور شتى بعدما خرج لبنان عليه بالإسم. ونفهم ان يفقد اعصابه عندما يصوره البعض سبب كل ما يحدث. لكن ما دخل الدستور في سورة الغضب؟ ما دخل هذه الروح الصافية الهادئة شبه المقدسة، ترفع عليه الشتيمة والعصا والتبذل؟ ما هذا العداء بين الخطيب وجمهور الخطيب ومصفقيه، وبين الدستور؟ هل تعرف سعادتك، شيئاً معادلاً للوطن، غير دستوره؟ ولو عفناً، ولو نتناً، ولو هذه آخرته.
اختار وليد جنبلاط ان يواجه حالة الخواء السياسي بفطنة السخرية. خفة الظل مقابل ثقل الواقع. وعندما سألته نانسي السبع ماذا سوف يترك لتيمور جنبلاط، اجاب: لا شيء لديه يتركه سوى إرث كمال جنبلاط وباب المختارة المفتوح امام الجميع. أما العمل السياسي في زمنه فلم يسمح بنشوء كمال جنبلاط آخر. أو حتى بخصم من خصومه. كم كانت رفيعة خصومة كميل شمعون.
يستخدم وليد جنبلاط اللغة الايمائية لمساعدته على التعبير عن احوال هذا الزمان. حك شارب اليسار ومداعبة الأذن اليمنى والرسم باليدين علامة الحيرة الكبرى. الكاريكاتور يليق بحالة كاريكاتورية.
“ليس لديّ شخصياً ما اتركه لتيمور. وسوف اترك له ما تركه لنا كمال جنبلاط”. الشاعر الثائر المفكر، وطاغور العرب، لولا ما اخذت منه السياسة حروبه، وهموم الطائفة من جبل لبنان الى جبل العرب الى سهول الجليل.
لا يخفي وليد جنبلاط همّه الدرزي، لكنه يربطه دائماً بالهمّ الوطني والوجدان العربي.
أُخِذ على الزعيم الدرزي التنقل في المواقف. وهذا صحيح. فقد ابدع في سياسة البقائيات ايضاً، ولكن بعكس الذين قلبوا مبادئهم وجلسوا فوقها، من مكان الى مكان، ومن قارة الى قارة. لم يخرج قيد أنملة من دائرة المبادىء المعلقة على جدران المختارة. ولم يضحِّ بالدروز ولا قامر بهم ولا تاجر بهم. ولا هم اداروا مدافعهم صوب بعضهم البعض. وعاد الى  كمال جنبلاط وإرثه في علم الحياة، لكي يدعوهم الى الزراعة والقمح والصحة ومحاربة الاوبئة والتلوث. والذين ضحكوا من اسبقيته في هذه الدعوة، اكتشفوا، نادمين، ان البيك لا “يقرأ” في السياسة فقط. فالحكمة في الحياة ليست موضوعاً واحداً، ولا الحياة شق واحد. وكلما اتسعت معارف الإنسان تعمَّقت مداركه.
“رجل لكل الفصول”. وفي بلد مثل لبنان، كم فصل يمرّ في اليوم الواحد، وكم عاصفة تعصف، وكم تتبدل الأشياء من دون ان يدري احد، لماذا وإلى متى. وفي اي بلد، غير هذا البلد، يمكن لسياسي يترأس اكبر كتلة برلمانية ويمثل رئيس الدولة، أن يصف الدستور بالعفن والنتن.
أليس هذا كثيراً حتى على بلد مثل لبنان، يتيم الأوطان؟ أليس الدستور العفن النتن هو الذي اقسم على حفظه رئيس الجمهورية؟ هل يحق لهذا الخطيب ان يقتحم بيوتنا وكرامتنا ومائة عام من حياتنا وتاريخنا ليشتمنا بلغته؟
كان ذلك العاقل المفكر الطيب نقي القلب واليد والضمير، سليم الحص، يقول “إن على من يتعاطى السياسة ان يخترع الأمل”. جهنم لم تكن وعداً لطيفاً من رئيس الدولة. عندما تكون الناس محاصرة بكل هذه الخوانيق، تحتاج الى بارقة امل. إلى كذبة جميلة.
بقيتُ سنوات طويلة اعاني من خوف الطائرة واسافر بحراً. وكانت البواخر قليلة ولا خيار. وذات مرة لم اجد سوى باخرة عربية عتيقة، فتوكلت. ومضت الساعات طويلة وروائح المطبخ تملأ المتوسط والاطلسي والهادي. لكنني كنت قد علقت. فالبحر من امامكم ومن كل جهة، وبخار الكمّون يلاحق المسافرين، الى الدفّة. وفي اليوم التالي قيل انه سيعرض علينا فيلم مشوق. نزلت الى الصالة سعيداً. وعندما بدأ العرض وجدت عنوان الفيلم: التايتانيك في ساعاتها الأخيرة! خرجت من القاعة مباشرة الى غرفتي وبقيت فيها حتى الوصول الى ميناء نابولي. وشفيت من خوف الطيران الى الأبد. يسمى هذا في علم النفس التداوي بالصدمة. خوف بسيط امام خوف مرعب. دائماً يعثر خطيب الاحتفال السنوي على إهانات جديدة للبنانيين. دائماً امامه اشباح واعداء ينتصر عليهم. لكن التبدل يتحول الى كارثة عندما يصل الى تذليل الدستور فوق شتمه. ولا عتب طبعاً، اولاً واخيراً. العتب ان يقبل مواطنون من فئة الأرمن، المشاركة في هذا الشطط الوطني. لم يعوّدونا ذلك والبلد في عزه، فكيف يدخلون هذه الحلبة المعيبة والدولة في نَفَسَها الأخير، والخطيب يضغط بركبته على عنقها، والهائجون يصفقون؟ لا يليق بكم، بارون، ان تكونوا مثلنا. لطالما اعتقدنا انكم محصّنون ضد العبث بحياة الناس واحزان الوطن.
إضافة الى كل كآباته العادية، كان هذا اسبوعاً عجائبياً. الزعيم يقول لنا ان دستورنا نتن، والرئيس يقول ان الميثاقية خالدة لا تمس، خصوصاً لأن الاخلال بها يشمل القوات والقوى المسيحية. للمزيد من الميثاقية، راجع خطاب الزعيم.