//Put this in the section

العرقلة خيانة وطنية – نايلة تويني – النهار

قبل أيام كتبتُ مقالاً بعنوان “ليتهم يعلمون”، وفي قرارة نفسي أنهم لا يعلمون ماذا يجري بالبلد، بالفقراء، بالجياع، بالبؤساء، بالأرامل والأيتام، بالمرضى والمتألمين، بالذين يزدادون حاجة الى ما هو ضروري، بأعداد الراغبين في الهجرة، والباحثين عن أية فرصة خارج البلد.
لكني أخاف أكثر إذا كانوا يعلمون، وهم كذلك بالتأكيد، لأنهم، وإنْ كذب عليهم المستشارون والمساعدون، فإنهم يتابعون الإعلام، المحلي والدولي، الذي يسلّط الضوء على الوضع الكارثي الذي يعيشه لبنان. يشاهدون اللبنانيين الذين ضاقت بهم سبل العيش، ويرون أن القطاع الاستشفائي والصحي يتراجع، والمستوى التربوي يتدنّى، والأمن الغذائي في خطر. يدركون من متابعاتهم اليومية أن لا سياسة خارجية في الخارجية، ولا سياسة دفاعية في الدفاع، ولا سياسة اجتماعية في الشؤون، ولا سياسة بيئية في البيئة، ولا إصلاح إدارياً في كل مكان، وان وزارات التخطيط وحقوق الانسان والمرأة والتكنولوجيا أُلغيت في أساسها. ربما لا يشاهدون بأمّ العين ما شاهده الرئيس الفرنسي في أحياء الجميزة ومار مخايل والكرنتينا، وفي الاشرفية، وخصوصا في قلب بيروت، لان اكثرهم لم يجرؤ على زيارة تلك الأحياء لانه سيواجَه بعاصفة من الشتائم وعبارات الرفض والاستنكار.
ثم يختلفون على جنس الملائكة، وعلى الحقائب الوزارية. الشيعة يريدون “مشاركة فعلية” في السلطة من خلال حقيبة المال. كأن الوزارات الاخرى لا تعبّر عن مشاركة، أو كأن منصب رئاسة مجلس النواب صار هامشياً. مبررات للاستيلاء على مواقع في السلطة ليس اكثر، انطلاقا من عناصر قوة تبدأ بالسلاح وتنتهي بالمحور الاقليمي.
السنّة يشعرون بالتراجع، لا لسبب الاستيلاء على دورهم من سلطات أخرى في الداخل كما يدّعون، لكن السبب الحقيقي هو تراجع الاحاطة الخليجية بهم وبمؤسساتهم، وعدم اهتمام دول الخليج العربي بالشأن اللبناني كما من قبل.
والموارنة، الذين تحدثوا عن “العهد القوي”، و”الرئيس القوي”، واستعادة الصلاحيات والفاعلية والنواب، يعملون، كعادتهم، على دوس كل انجازاتهم وسحقها بعنادهم التاريخي البعيد عن الواقعية وقراءة الظروف المحيطة ونهمهم الى الرئاسة.
أمام كل هذه الوقائع، يبقى المواطن اللبناني أسير حساباتهم الطائفية البغيضة، وصراعاتهم الشخصية تحت المسمّيات المذهبية والطائفية، وطمعهم الى السلطة والتسلط، وحساباتهم التي لا تعير هذا اللبناني حساباً، بل تستعمله مطيّة للوصول الى أهداف لم تعد مقنِعة إلا للسذج.
المشكلة – المصيبة ان الحسابات التي تقوم عليها السياسة اللبنانية، هي مصالح شخصية ونفعية، ونكايات وتحديات إفرادية، لا ترقى الى مستوى الوطن أولاً، ولا ترقى الى مستوى المرحلة الصعبة، بل المصيرية، ويمكن في أي بلد آخر، اعتبار هذا التقصير، بل هذه العرقلة المتعمدة، خيانة وطنية.