//Put this in the section

باريس تفتش عن “وكيل شرعي” في لبنان

غسان الحجار – النهار

ادرك وليد جنبلاط بحدسه وفهمه السياسي ما لم يتمكن المسيحيون من قراءته، فتحول عن موقفه الرافض تكليف سعد الحريري بتأليف الحكومة الجديدة، فضرب اكثر من عصفور بحجر واحد، علما ان لا حاجة لديه لشرح موقفه امام مناصريه المؤيدين له في كل تقلباته طوعاً او قسراً. استجاب جنبلاط للطلب الفرنسي، وقد يحتاج يوما الى دور فرنسي في تسهيل علاقاته او اتصالاته الدولية. ولم يضع نفسه وكتلته وحزبه في خانة المعطلين، ومضى مع رفيق دربه نبيه بري، وضمنا مع “حزب الله” متجنبا المواجهة مع كليهما، واخيرا “سلًف” الحريري موقفاً، اثار فيه خصومه من الاقربين والابعدين.
ادرك جنبلاط ايضا ان باريس، التي انطلقت بداية بطريقة استعراضية غير مدروسة، اصطدمت مبادرتها اللبنانية بجدار الفشل، ما عرض رئيسها ايمانويل ماكرون لتداعيات مؤذية عبرت عنها الصحافة الفرنسية التي رأت ان سمعة فرنسا ورئيسها على المحك اذا ما فشل في تحريك الوضع اللبناني بعد زيارتين متتاليتين له الى بيروت، وهو امر نادر الحصول.
لكن فرنسا، الام الحنون للبنان ولمسيحييه وموارنته تحديدا، تريد ان تساهم في انقاذ الوضع اللبناني على طريقتها ومن ضمن مصالحها الاقليمية، وهذا امر معقد في ظل تعقيدات الاقليم. ولن يكون في وسع فرنسا ان تستقدم جيوشا تشرف على تطبيق بنود مبادرتها، بل هي كما قالت ايضا رئيسة مؤسسة النقد الدولي قبل يومين، تبحث عن شريك لها داخل الحكومة، ينفذ السياسات الاصلاحية التي تضمنتها الورقة الفرنسية.
وامام عجز رئاسة الجمهورية عن التحول الى مظلة ترعى الحوار الوطني وتجمع المكونات اللبنانية للقيام بدور الوسيط اقله، وتزايد ضعف العهد، وانكفاء دوره، مع ما يرتبه ذلك من تراجع للدور المسيحي، خصوصا في ظل العداء ما بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية”، والتباعد مع القوى والاحزاب المسيحية الاخرى، تفتش باريس عن “وكيل شرعي” محلي يقوم بهذه المهمة. وهي امام خيارين لا ثالث لهما، اما ان تلجأ الى المكون الشيعي، وهو اخر الخيارات، لانها بذلك ستسلم البلد الى “حزب الله” ليقود المسيرة، واما الى المكون السني، وهذا ما فعلته اذ اختارت اهون “الشرور”. لذا اتجهت البوصلة مجددا الى بيت الوسط لحض الحريري على خوض غمار الترشح. ولم يكن تحوله من الرفض المطلق، حتى في التسمية، الى الترشح شخصيا، الا استجابة لهذا النداء الفرنسي، والذي عملت دوائر الاليزيه على دفعه قدما من خلال حركة اتصالات واسعة.
يبقى ان نجاح هذا الخيار رهن بقوى الداخل القادرة على افشاله ايضا، وتحديدا الثنائي الشيعي (حركة “أمل” و”حزب الله”)، اذ يمكن ان يقود الاخير باريس الى الخيار الاخير المتاح، وهو التسليم بتكليفه بالمهمة، تماما كما فعل الاميركيون في التحضير للتفاوض مع اسرائيل، اذ انهم بعدما ادركوا جيدا، مكامن القوة والضعف اللبنانية، توجهوا ناحية القادر على ضمان هذه المفاوضات محليا واقليميا.
رئيسا التيار والقوات لم يلتقطا الاشارات الفرنسية، ولم يسهلا المبادرة، وقد يدفعان باريس الى رمي مبادرتها في الحضن الشيعي، وسيحملان الشعب اللبناني تداعيات مواقفهما المشتتة وغير الرؤيوية.