//Put this in the section

الأسوأ ينتظرنا في حال لم تتشكّل الحكومة بأسرع وقت

تأجّلت الاستشارات النيابية إلى يوم الخميس المقبل في أسوأ ظروفٍ اقتصادية تمرّ على لبنان. لا يهمّ المواطن الأسباب التي تقف وراء التأجيل، أمام فقدان الدواء وتقنين البنزين وتقييد السحوبات بالليرة والأسعار الجنونية التي لا ترحم، بينما بقي أجره على حاله مع انهيار قيمة الليرة. يكشف هذا المقال كيف أنّ الأسوأ ينتظرنا في حال لم تتشكّل الحكومة بأسرع وقتٍ ممكن.

تأجيل الاستشارات النيابية أمرٌ سلبي جداً، وليس هناك ثقة بأن تُجرى بعد أسبوعٍ إذا لم يُتفق على حلولٍ قبل الاستشارات والتكليف، فهذه عملية طويلة ومعقّدة قد تدفع إلى تأجيل الاستشارات مرة أخرى، وإذا ما تمّت الاستشارات قد لا يكون هناك تأليف حكومةٍ سريع. ونتيجة ذلك سلبية على الأسواق وعلى المواطن المستهلك وعلى القطاع الاقتصادي بكافة عناصره، بحسب ما يشرح عضو المجلس الاقتصادي الاجتماعي، عدنان رمال.




أوّل مؤشّر مباشر لهذا التأجيل انعكس بارتفاع سعر ال#دولار في السوق السوداء نحو 300 أو 400 ليرة عن سعر أمس، وفي الوقت نفسه نحن أمام تعاميم وفوضى للحدّ من السحوبات المصرفية بالليرة اللبنانية، ما سينعكس على الحركة الاقتصادية وعلى قدرة المواطن على شراء احتياجاته بحال لم تتوافر السيولة بين يديه، وكذلك، على التجار تأمين السيولة النقدية للاستيراد، وذلك سيؤثّر على الاستيراد وعلى الاستهلاك. فمحطات البنزين لن تقبل بالدفع إلا نقداً وكذلك الصيدليات، لأنّ المستورِد أُلزم بموجب تعميم من مصرف لبنان تأمين 85% من الاستيراد على سعر 1500 نقداً، وإذا لم تتوافر السيولة لدى المواطن لدفع ثمن الدواء، كيف لمستورد الدواء أن يستورده؟ يسأل رمّال، ويؤكّد على أنّنا “ذاهبون إلى أزمة أكبر في تأمين الاحتياجات الأساسية في السوق، أزمة أكبر من التي نعيشها اليوم”.

وفي ظل الوضع المصرفي القائم والتعاميم الصادرة وما تفرضه المصارف على عملائها، نحن نتّجه إلى أزمة كبرى ولو تمّت الاستشارات النيابية الأسبوع المقبل، لأن المصارف بأزمة كبيرة وترمي أزمتها على عملائها، والمواطن فقد ثقته بالنظام المصرفي والمالي وفي العملية السياسية، “نحن في وضعٍ لا نُحسَد عليه للأسف، وشيء مؤسف أن نصل إلى هنا”.

وتراجع حجم الأعمال في القطاعات الاقتصادية كافة 80 %، والأخطر من ذلك كلّه، برأي رمال، أنّ حجم الناتج الوطني في لبنان كان 52 ملياراً عام 2019، وهذا العام أصبح لدينا 3 أسعار للصرف وفي الوقت نفسه، القيم المالية في لبنان كالعقارات وغيرها، أصبحت تُباع على سعر السوق السوداء، فالقيم اللبنانية انخفض سعرها حاول 40 – 50 % بالحد الأدنى وهي ما تشكّل نصف الاقتصاد، “نحن أمام كارثة”، فقيمة الدولار الحقيقية خفّضت حجم الناتج المحلي بنسبة 60% .

وفي معرض حديثه، يقول رمال إنّ القطاعات الإنتاجية بمختلف أنواعها تلفظ أنفاسها الأخيرة، و”نحن أمام أزمة وجودية في الاقتصاد اللبناني، فال#دعم الذي وُضِع على السلع كان أكبر عملية خاطئة أنهكت احتياطي دولارات مصرف لبنان بشكل سريع واستفاد منها بعض التجار المستورِدين ولم يستفِد منها المواطن، خاصةً في ما يتعلق بالسلة الغذائية والدواء. فلو ذهبوا إلى دعم المواطن عبر بطاقة مالية تغطي فرق سعر الصرف، أو بطريقة ترشيدية أكثر تكون فيها الحاجات الأساسية هي المدعومة، لكان الاحتياطي استمر لفترة أطول، ولكنّا أنفقنا ثلث الكلفة التي أُنفقت. وإن قاموا الآن بتوزيع هذه البطاقة لن تكون قيمتها كالسابق.

وحالياً نفاوض عليه مع صندوق النقد الدولي ضمن شروط قاسية ومدمِّرة للمجتمع اللبناني وأوّلها إلزامية رفع سعر صرف الدولار الرسمي، وفي الوقت نفسه رفع الدعم عن كل شيء، كشروط أساسية للحصول على مليار ونصف أو ملياري دولار في السنة الأولى، بينما نحن أنفقنا هذا العام أكثر من 8 مليارات دولار على الدعم، وهذا يدلّ على “تخبّط وفشل سياسي واقتصادي ومالي، فالمنظومة كلّها في مكان والشعب في مكانٍ آخر”، بحسب رمال.

ومجرّد الاتفاق مع صندوق النقد وتبنّي مطالبه، سنذهب مباشرة إلى توقف الدعم وتوقّف كثيرٍ من الوظائف في القطاع العام وتسريح آلاف الموظفين وإلى أزمة اجتماعية، وسترتفع الأسعار بشكلٍ جنوني. لكنّ الاتفاق مع صندوق النقد يؤمّن مظلة كي يستطيع لبنان الاستدانة من الدول، لأنّ هذه الأخيرة تشترط موافقة صندوق النقد. وسنكون في اقتصادٍ موجَّه، بعد أن كنّا في اقتصادٍ حرّ.

ويلفت رمال إلى أنّ دين الدولة اللبنانية ليس 100 مليار دولار فقط، إنّما هو ما بين 170 و175 مليار دولار، لأنّه لا يمكن الفصل بين عجز الميزانية والدين العام، والفجوة الحاصلة في مصرف لبنان والمصارف، أي أموال المودعين التي طارت.

من جهته، يرى د. لويس حبيقة أنّه “لن نشهد السيناريو الفنزويلي في لبنان، لأنّ جزءاً كبيراً من الأمور لا زال مضبوطاً داخلياً، والولايات المتحدة الأميركية لا تهدف إلى تركيع لبنان إنّما تقوم بعمليات اختيارٍ لأشخاصٍ معينين لمعاقبتهم، وبالتالي لا يمكن تشبيه علاقتها بلبنان بعلاقتها بفنزويلا، وحتى إيران هدفها أن تربح بالسياسة فقط وليس انهيار لبنان. وإذا عمل مصرف لبنان ووزارة المال والسياسيون كما يجب لتأليف حكومة، يمكن أن “يسكّج” البلد قليلاً، إنّما الجميع يعمل خطأ، وهناك فروقات كبيرة بين لبنان وفنزويلا”.

“الوضع الاقتصادي لا يحتمل تأجيل الاستشارات دقيقة واحدة”، بحسب حبيقة، إذ “كان من المفترض تشكيل الحكومة عندما جاء الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون وطالب بتشكيل حكومة في 15 أيلول، ووعد بتمويل لبنان في 15 من الشهر الحالي إذا ما تشكّلت الحكومة، لكن أصبحنا في هذا التاريخ ولم نقم بشيء”.

بنظره، “لبنان بلد الفالج لا تعالج”، والوضع سيسوء تلقائياً من أسبوع إلى آخر في ظل عدم تشكيل الحكومة، لكن المشكلة في الحل الذي يقضي بإدخال الدولارات والاستثمارات إلى البلد، ولا يمكن أن يتمّ ذلك دون حكومة جديدة. وإذا ما شُحَّت الدولارات، سيرتفع سعر الدولار. وكانت المصارف تعطي أموال الناس بالليرة وطلب الناس كبير جداً على الليرة، لذا بدأت المصارف تشعر أنّ حسابات التوفير الخاصة بها لدى مصرف لبنان ستنفد، وبالتالي لن تعود قادرة على تقاضي الفوائد منها، لذا أصدرت تعميماً بوضع سقف للسحوبات بالليرة اللبنانية. وهناك أزمة أيضاً بسبب خوف الناس، إذ هناك هجمة على تخزين الدواء والغذاء، وجميع السلع، حتى على تخزين الليرة.

سنذهب إلى رفعٍ تدريجي للدعم طبعاً، لكن يجب أن تكون العملية علنية ومدروسة جيداً، دون أن يتأذّى المواطن كثيراً، لكي نربح الوقت إذ لا أحد يدري كم من الوقت سيستغرق تشكيل الحكومة، لأنّه إذا كل طرف سياسي أراد حجز حصة له في الحكومة، فهي إذاً فشلت قبل أن تبدأ، وإذا ما بقينا على هذه الحال، نحن ذاهبون حكماً إلى الأسوأ، وسيتراجع المدخول وسيرتفع التضخم وسنشهد أزمة أمنية وسرقات. وأولى الحلول لإنقاذ البلد هي عبر تشكيل الحكومة، ما سيؤدّي إلى انخفاض سعر الدولار وإلى عودة قيمة الأجور قليلاً، وحتى أوضاع الناس النفسية ستتحسّن قبل الأوضاع المادية.

بدوره، يفيد محمد شمس الدين، باحث في شركة “الدولية للمعلومات”، أنّ نسبة البطالة ارتفعت منذ بداية الأزمة الاقتصادية في أيلول 2019 من 25 % إلى 35 %، أي ارتفعت 10 % خلال سنة واحدة، وهذه النسبة مرشَّحة إلى مزيد من الارتفاع إذا ما بقيت الأزمة الراهنة، فالقطاع الفندقي والسياحي على شفير الإغلاق، وتأجيل الاستشارات النيابية يدلّ على مزيدٍ من الإشارات السلبية. ويضيف أنّ نحو 20 ألف مؤسسة بين متوسطة وكبيرة أقفلت، ونحو 80-100 ألف موظف سُرِّحوا من وظائفهم جراء الأزمة الاقتصادية الراهنة.

وبحسب دراسة أجرتها “الدولية للمعلومات”، توصّلت إلى أنّه إذا ما بقي الوضع الاقتصادي على حاله ستصل البطالة إلى 65%. ووفق شمس الدين، إذا ما اعتذر الحريري عن التكليف، سنذهب إلى انهيارٍ تام، فبحال رُفِع الدعم سيرتفع سعر الدولار بشكلٍ جنوني وبالتالي الأسعار، وهنا سنشهد كارثة كبيرة.

المصدر: النهار