//Put this in the section
حنا صالح - الشرق الأوسط

«17 تشرين» طوق نجاة لبنان! – حنا صالح – الشرق الأوسط

بعد يومين تحلُّ الذكرى السنوية الأولى لثورة تشرين. الحدث الذي لم يعرف له لبنان مثيلاً في أي وقت من تاريخه. حدث فاجأ المنخرطين في صناعته قبل غيرهم، عندما كشف عن وعي متجذر لدى المواطنين، وبالأخص الشباب والطلاب الذين تبلور وعيهم ورؤيتهم على ضفاف الانقسام الطائفي العمودي الذي عرفه البلد بعد عام 2005. فسرع ذلك من بلورة المطالب – الحقوق للأغلبية الساحقة التي توحدت حول مصالحها، وبوجه تحالف طغمة سياسية من كل الطوائف أذلت الناس لشدة انتهاكها حقوقهم وكراماتهم.

من الساعات الأولى ليوم 17 أكتوبر (تشرين الأول)، وحتى نزول نحو مليوني لبناني إلى الشارع، إلى انتفاضة اللبنانيين المغتربين حول العالم، جرى كسر الانقسامات المناطقية والطائفية. بدا لبنان الذي يموج بأوسع تحركٍ شبابي شعبي، وحدة متراصة أنجزت لأول مرة في تاريخها أعمق مصالحة وطنية، عندما قدمت الساحات الجامعة الدليل على أن ثورة تشرين هي عنوان مغادرة الحرب الأهلية، مغادرة ثقافة فئوية نابذة للآخر، رافضة كل ما كان يعتبر مواقف – ثوابت، هي بالعمق أحقاد جرى تضخيمها لتسهيل الانقياد واستغلال الناس!




ما شهده لبنان منذ 17 تشرين الماضي مفاجئ وما زال مستمراً بأشكال مختلفة؛ لأنه كان مغايراً لكل الأحداث اللبنانية، من اقتتال أهلي بعضه أُسمي ثورة، وصولاً إلى انتفاضة الاستقلال عام 2005. التي نجحت في هزِّ نظامين أمنيين وساهمت بقوة في إخراج جيش النظام السوري المحتل… كلها كانت تتمُّ من فوق، من قبل جهات من الطبقة السياسية، تأثرت مصالحها أو تراجعت مكاسبها أو لحق بها ظلم في تمثيلها الطائفي أو سعت إلى حصة أكبر في كعكة التسلط والمكاسب، فجيّشت الأتباع والمحاسيب وحركت الأرض وصولاً إلى الاقتتال الأهلي الذي ترك دوماً بصمات قاتلة على ديموغرافيا البلد، ثم العودة إلى التوافق على تجديد التسوية، بين أطراف المنظومة السياسية الطائفية التي حكمت لبنان منذ الاستقلال. وربما تحكمت بالبلد منذ إعلان لبنان الكبير، ولم تعرف تعديلاً على تركيبتها، إلا في ظلِّ سيطرة النظام السوري الذي حاك ائتلافاً جمع بين ميليشيا الحرب والمال، فمكّن المنظومة السياسية من القرار الداخلي واستتبعها لمشيئته وخدمة أهدافه، واستمر الأمر بعد إعلان طهران أن بيروت واحدة من العواصم الأربع التي تهيمن عليها!

لعقود طويلة عمّق الاقتتال الداخلي، وخصوصاً الحرب الأهلية، من سطوة زعماء الطوائف الذين باتوا الخبر وصنّاع الحدث. وعلى طريق العرف السياسي «لا غالب ولا مغلوب»، فإنهم رغم بعض الفوارق، خرجوا منتصرين بعد كل المراحل، في حين جراح ثخينة لحقت بالناس الذين دفعوا الثمن من حياتهم ورزقهم وطرق عيشهم. لكن بعد 17 تشرين تبدل الحال. طفح الكيل فخرج الناس الذين اكتشفوا أن التآخي يجمعهم فاستعادت المظاهرات السلمية الفضاء العام. وطرأ تغيير كبير على اللغة، فعبّر الجيل الشاب والنساء عن آرائهم بقوة ودون مواربة؛ ما كُسِر معه السائد، فجرى نزع القدسية عن كل الزعامات: «كلن يعني كلن» يتحملون المسؤولية عن إذلال اللبنانيين والسطو على حقوقهم. اختفت كل منظومة الحكم، واتخذت تنقلات أغلب السياسيين طابع السرية، وغابت المواكب ومظاهر التشبيح وتبدلت لغة الخطب السياسية، ولو كذباً، لتحمل دوماً لازمة: بعد 17 تشرين لم يعد مقبولاً هذا الأمر، ومن غير المسموح كذا وكيت…!

تصدعت الطبقة السياسية، ولم يكن حدثاً عابراً اضطرار الحريري إلى إعلان استقالة حكومته تحت ضغط الشارع، رغم الخطوط الحمر التي رسمها نصر الله لمنع الاستقالة، وحماية رئاسة الجمهورية والبرلمان الذي سحبت منه الثورة الشرعية ومنعت انعقاده أكثر من مرة. تطور دفع الجهة المسلحة الممسكة بقرار البلد، «حزب الله»، إلى تقدم صفوف منظومة الحكم للدفاع عن نظام المحاصصة الطائفية الراعي للفساد. وبرز بوجهه من أي قناع بوصفه قوة مسلحة مهددة للسلم الأهلي ونقيض الأمن والازدهار والاستقرار؛ ما عنى رسالة صارمة إلى اللبنانيين وثورتهم بأن التغيير ممنوع!

وبالمحصلة، لم ينجح «حزب الله» في تحقيق غايته بحرف الثورة عن أهدافها، رغم منحى الاعتداءات المنظمة من جهة، والدفع إلى العنف لتشويه صورة الثورة، خصوصاً مع التعديات على الملكيات العامة والخاصة من جهة أخرى، واستمرت ساحة العلم في صور في رمزيتها، كما ساحة المطران في بعلبك وساحة النبطية، ساحات حراسة وطنية الثورة وشمولها!

أحدثت الثورة تبدلات عامة، كأنه حلّ زمن ولادة مواطن جديد رافض للطائفية وكاره للمذهبية والتبعية. غابت عن الساحات الأعلام الفئوية ووحده العلم اللبناني الذي ظلّلَ الحضور. زرعت الثورة الفرح وأعادت البسمة رغم الأجواء الكالحة، واتساع الفقر والعوز، واستعاد المواطن الأمل، وقد تحولت الثورة إلى مدرسة رسمت لكل اللبنانيين طريق كسر الاستبداد واستعادة الدولة المخطوفة، وتيقن الجميع أن الممر الإجباري لاستعادة الحقوق يفترض تغييراً سياسياً حقيقياً، وصولاً إلى إعادة تكوين السلطة؛ لأن منظومة الفساد التي صحّرت البلد، وكبّلته بالديون وأفقرته بعد استباحة المال العام والودائع وحولت الأموال المنهوبة إلى الخارج، لا يمكن لها القيام بأي عمل إنقاذي لأنه يتعارض مع مصالحها وسيرغمها على دفع الثمن!

لم تنجز ثورة تشرين اللبنانية التغيير المنشود بعد، ومن باب الحرص تجدر الإشارة إلى سلبية غياب وضعٍ تنظيمي فاعل كما غياب القيادة القادرة، لكنها وضعت البلد أمام خيار وحيد لفرملة الانهيار والتقاط الأنفاس، وهو حتمية قيام حكومة مستقلة برئيسها وأعضائها. هذا المطلب بات وطنياً ويلقى أوسع القبول عربياً ودولياً. وما كان ذلك ليتم لو لم تنجح الثورة بتعرية منظومة الفساد، وفضح هزالها وعجزها عن إمكانية إدارة الأزمة.. لكن منظومة الفساد التي لم يرف لها جفن أمام جريمة الرابع من أغسطس (آب) التي أطاحت الحكومة الواجهة، هرعت بدفع من طهران وقبولٍ من «حزب الله» إلى شراء استمرارها بالهرب إلى ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، واستأنفت محاولات تجديد المحاصصة وتناتش مقاعد الحكم!

ثابت اليوم أن الطبقة السياسية انتهى مفعولها، وكما سقطت أمام الداخل، سقطت أمام الخارج؛ بدليل الأوصاف التي أطلقها عليها الرئيس الفرنسي، لكنها مستمرة بفعل اتكائها على السلاح غير الشرعي، ونتيجة غياب البديل الذي يقتضي لوجوده إقامة مظلة جبهوية عريضة. شبكة أمان تمتد على امتداد جغرافيا البلد، تجمع جيل الشباب والكفاءات والحيثيات، تبلور وسائط الدفاع عن جو الاعتراض السلمي، وتساهم في بلورة البديل السياسي القيادي، القادر على تطوير النضالات السلمية تحت سقف الدستور، للمضي في نهج تحرير لبنان من احتلال سياسي سافر تمارسه منظومة ناهبة تحتمي بالخارج!