//Put this in the section

عسكريون يهربون من الخدمة في لبنان.. تداعيات “الانهيار الاقتصادي” تصل إلى الجيش

لم يكن الشاب كيفن كرم “مرتاحاً” في خدمته العسكرية التي كان يؤديها في الجيش اللبناني، عبّر عن ذلك مرات عدة لأشقائه وأصدقائه قبل أن يفرّ من صفوف المؤسسة قبل نحو شهرين.

لم يكن يكفيه المردود المادي الذي يتقاضاه، والتقديمات التي يتلقاها، كذلك بالنسبة لظروف الخدمة التي تفرضها الأوضاع الأمنية والاقتصادية في لبنان على عناصر الجيش، ليأتي قرار نقله من مركز خدمته في بعلبك، القريبة من مكان سكنه، إلى بلدة عرسال الحدودية كالنقطة التي “طفح عندها كيله”، فهرب من الخدمة للبحث عن حياة جديدة.




بالإضافة إلى البعد الوطني والواجب الذي تمثله الخدمة في الجيش اللبناني والقوى الأمنية بالنسبة للبنانيين، فإن قسماً كبيراً منهم يرى في هذه المؤسسات أيضاً وظيفة رسمية من شأنها تأمين مردود مادي كان مقبولاً في لبنان، بالإضافة إلى ضمان صحي شامل وتقديمات اجتماعية ومخصصات عائلية والتكفل بمعظم تكاليف تعليم المنتسب أو أبناؤه.

وفي بلد كلبنان تعتبر الفاتورتان الصحية والتربوية من أعلى تكاليف الأسر السنوية، أضف إلى ذلك تسهيلات في الحصول على القروض المصرفية الشخصية وتخفيضات على أسعار المحروقات والسلع وانتهاءً بتعويض نهاية خدمة كبير نسبياً، ومعاش تقاعدي ثابت مدى الحياة قد ينتقل بعدها للزوجة والأبناء.

كل تلك الحوافز والتقديمات جعلت من الخدمة العسكرية وظيفة جيدة نسبياً وملجأ للكثير من اللبنانيين الذين ضاقت بهم سبل العيش لاسيما في المناطق الأقل تنمية، كما هو الحال في محافظتي البقاع وعكار، الأكثر فقراً وإهمالاً والأقل فرصاً ووظائف لأهلها.

تغير الحال

ووصل الأمر باللبنانيين إلى حد إجراء”وساطات” حزبية وطائفية والاستفادة من المحسوبيات السياسية والعسكرية في عملية التوظيف في الأجهزة الأمنية والجيش.

هذا الواقع ساد لبنان لعشرات السنين، ولم يتبدل في أحلك المحن التي مرّت على البلاد، إذ حافظت المؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية اللبنانية على حقوق عناصرها المالية والتقديمات والخدمات حتى في زمن الحرب الأهلية والانشقاقات التي شهدتها تلك الفترة، إلا أن هذا الأمر تغير اليوم في زمن الأزمة الاقتصادية وانهيار قيمة العملة الوطنية التي تدفع بها المؤسسات رواتب ومخصصات عناصرها.

ويبلغ متوسط الأجر الذي يتلقاه العنصر في الجيش اللبناني أو باقي الأجهزة الأمنية نحو مليون و200 ألف ليرة لبنانية (نحو 800 دولار قبل الأزمة الحالية)، يرتفع أو ينخفض بحسب الرتبة ويتجاوز المليونين بالنسبة للضباط. كان سعر صرف الليرة قبل انهيارها ثابت عند حد 1515 ليرة لكل دولار.

ولكن اليوم وبعد الانهيار المالي بات سعر الصرف المعتمد في السوق السوداء يتجاوز الـ 8000 ليرة، وهذا الرقم هو الذي يحدد سعر المواد الأساسية في الأسواق وتالياً القدرة الشرائية للعملة. ما يعني أن ما كان يساوي في قدرته الشرائية الـ 800 دولار (مليون و200 ألف ليرة) بات اليوم يساوي بالكاد الـ 150دولارا.

فرار حتى الموت

بعد ظهر السبت الماضي (10 أكتوبر) فجعت بلدة “حوش تل صفية” البقاعية بمقتل ابنها كيفن كرم، الفار من الخدمة في الجيش، والذي زاد من صدمة رحيل الشاب، البالغ من العمر 21 عاماً،  أنه قتل على يد أحد عناصر الجيش اللبناني، الذين كانوا قد نصبوا حاجزاً عند مدخل البلدة.

وبحسب ما يروي شقيقه طوني كرم لموقع “الحرة”، أوقف الحاجز سيارة كيفن الذي كان برفقة شقيقه الأكبر، وطلب منهم إبراز أوراقهم الثبوتية وأوراق السيارة التي كانت ناقصة، ما دفعهم إلى التحفظ على كيفن إلى حين ذهاب شقيقه إلى منزله القريب وإحضار الأوراق المطلوبة.

وأضاف شقيق كيفن أنه بعد إتمام الإجراءات وحصول الجيش على الأوراق طلب آمر الحاجز من العناصر البحث في “النشرة القانونية” لكيفن قبل تركه، وهو ما كان سيكشف أنه فار من الجيش، لذلك ركض كيفن خوفا  من أن يسجن تأديبياً لمدة شهر أو أقل، ويعاد به إلى الخدمة.

وأشار  إلى أن أحد الجنود أطلق  النار عليه مباشرة دون تحذير مسبق أو طلقات في الهواء، كما ينص القانون العسكري المتعلق بالتدرج في استخدام العنف والسلاح ضد المدنيين، طلقة مباشرة استقرت في قلب كيفن، وأنهت رحلة فراره.

وأضاف “كيفن، لم يكن يهرب من السجن، سبق له أن سجن مرات عدة كعقوبات مسلكية بسبب طيشنته، بل كان يهرب من العودة إلى الخدمة العسكرية مجدداً، حاله كحال العشرات من الفارين من صفوف الجيش اللبناني والقوى الأمنية في لبنان”.

وبحسب مصادر مطلعة، ارتفع عدد الأشخاص الذين يفرون من أداء الخدمة العسكرية بشكل أكبر هذا العام عن النسبة المعتادة في السنوات الماضية التي سبقت اندلاع الاحتجاجات في لبنان وما لحقها من انهيار اقتصادي ومالي.

حالات بالمئات

وكشفت المصادر لموقع “الحرة” عن ازدياد في نسبة برقيات الملاحقة “البحث والتحري”، بحق عناصر فارين من خدمتهم العسكرية في الجيش أو في قوى الأمن الداخلي خلال الأشهر الماضية، مشيرين إلى أن معظمهم يتوزعون على معظم الألوية والأفواج المنتشرة على كامل الأراضي اللبنانية.

وأرجعت المصادر ذلك إلى تأثر هذه الأعداد بالأحداث الأمنية والنكسات المالية في البلاد، وخاصة أن هذه الألوية هي التي تتعامل مع الأحداث الأمنية في المناطق الساخنة.

وأشارت المصادر إلى أن عدد الفارين بلغ المئات في فوج “القوى السيارة” ومكافحة الشغب في قوى الأمن الداخلي، خلال وبعد ثورة 17 أكتوبر،  حين تعامل الفوج مع التظاهرات العنيفة التي شهدتها مدينة بيروت، مما أدى إلى إصابة مئات العناصر بحسب بيانات قوى الأمن.

علي، أحد الفارين من الفوج، فضل الاكتفاء بكشف اسمه الأول، لعدم التأثير على مسار المحاكمة القانونية التي سيتلقاها عند تسوية أوضاعه، هو أيضاً ملاحق قانونياً بسبب عدم التحاقه بخدمته منذ نحو 6 أشهر.

تعرض علي لإصابة خلال الاحتجاجات ومنح استراحة مرضية، ليعاد استدعاؤه إلى الخدمة قبل إتمام كامل وقت الاستراحة الذي كان 40 يوماً، ولم يكن قد تعافى تماماً، إلا أنه تلقى أوامر عسكرية صارمة بالالتحاق بسبب الضرورة التي فرضتها الأوضاع في البلاد ونقص العديد المتزايد، وقد تقدم بطلب تسريحه ورفض الالتحاق وهو فار من الخدمة حتى اليوم.

وقال علي: “فكرت في العودة مرات عدة في البداية، بتشجيع من الضباط وزملائي، لكن كل ما جرى في البلاد دفعني إلى الإصرار على هذه الخطوة، شعرت للحظة بأنني معتقل ولست عنصراً أمنياً، كانت مهمتي حفظ القانون وكنت أؤمن بذلك لكنني كنت مضطرا لمخالفته من أجل متابعة حياتي”.

وتابع “الواقع اليوم يضعك بين خيارين، إما الفرار بشكل مخالف للقانون، أو اللجوء إلى طلب التسريح القانوني المرفوض سلفاً منذ سنوات بسبب الأوضاع الأمنية والسياسية في البلاد، اضطررت للفرار بعد 3 طلبات تسريح، وتفاجأت بعد مدة بسيطة بفرار اثنين من زملائي في الخدمة الذين كانوا يشجعونني على العودة”.

وأضاف “كل ما جرى أكد صوابية خياري، راتبي الذي كنت أتقاضاه بدل المخاطر التي أعرض نفسي لها، بات اليوم يساوي 143 دولاراً، لا تكفي حتى للأكل والمواصلات من البقاع إلى مركز خدمتي في بيروت لمدة شهر، قبل الانهيار كنت أحتاج من إخوتي المهاجرين دعماً مالياً عند نهاية كل شهر، فما بالك اليوم”.

أوضاع الخدمة

أما عن الأوضاع في الخدمة العسكرية، قال علي: “حدث ولا حرج، وصل زملائي إلى مرحلة كانوا يخدمون فيها لمدة 20 يوماً مقابل يوم استراحة واحد، آخر التحاق لي في الخدمة بقيت 9 أيام متواصلة في الشارع، نتعرض للإهانات في الاحتجاجات وتأنيب الضمير في مواجهتنا للناس والضغوط النفسية والأضرار الجسدية والمخاطرة بأرواحنا دون أي مقابل يذكر او يستحق كل هذا العناء”.

محمود من عكار، هو أيضا فار بسبب الواقع الاقتصادي نفسه، يروي لموقع “الحرة” رحلته من شمال لبنان، حيث يقطن إلى قضاء صور حيث موقع خدمته: “باتت تكلفه هذه الرحلة نحو 30 ألف ليرة ذهاباً و30 أخرى إياباً، لمرتين في الأسبوع الواحد ما يعني نحو 480 ألفاً في الشهر، يتجاوز هذا الرقم ثلث راتبه الذي خسر أصلا قيمته الشرائية إلى النصف عما كان بالحد الأدنى”.

وقال “كنت أطمح إلى الارتقاء بالرتب إلى حد أحقق فيه الرضى عن نفسي وأشعر بتعويض عن سنوات دراستي، توقفت الترقيات بسبب التكاليف التي سترتبها على خزينة الدولة، ولأسباب سياسية ومناكفات في أحزاب السلطة حجبت عنا الترقيات المستحقة”.

وتابع “أضف إلى ذلك غياب المحفز المالي بعد انهيار العملة. أستطيع من خارج المؤسسة العسكرية اليوم أن أؤمن مردودا مالياً أفضل لعائلتي إن عملت باختصاصي، وإن كانت فرص العمل نادرة اليوم في البلد، لكني لم اعد احتمل، صدقاً تكاليف الخدمة لوحدها باتت أعلى من راتبي”.

محاولات تعويض

ورفض مكتب العلاقات الإعلامية في قوى الأمن الداخلي، الخوض في مسألة ارتفاع نسب الفرار ضمن صفوف المؤسسة، ولم يؤكد أو ينف المعلومات التي حصل عليها موقع “الحرة”، مشيرا إلى أن ذلك من ضمن المعلومات غير المصرح عنها لأسباب أمنية، كذلك الأمر بالنسبة لمديرية التوجيه في الجيش اللبناني التي رفضت التعليق على أي معلومات، مؤكدة أن أي تعليق أو رد يكون فقط على شكل بيان خطي صادر عن قيادة الجيش والمديرية.

لكن وبحسب معلومات “الحرة” من المصادر المطلعة، فإن القوى الأمنية والجيش اللبناني يعملون على “مراعاة أوضاع العسكر” في المرحلة الراهنة، وذلك على شكل تغاضٍ وتسيير لأمور العسكر في خدمتهم، لتحسين ظروفهم في ظل التحديات الأمنية والسياسية في البلاد التي تفرض عليهم جهوداً مضاعفة.

كذلك، عمدت المؤسسات الأمنية والعسكرية على تخصيص مساعدات مالية للعناصر وصل منها نحو 4 دفعات توزعت بين مراحل الثورة والمظاهرات وانهيار الليرة والحجر الصحي وانفجار مرفأ بيروت، وينتظر أن يجري تقديم مزيد من المساعدات مع العودة إلى المدارس ودخول فصل الشتاء لاسيما في حال رفع دعم مصرف لبنان عن السلع الرئيسية في البلاد.

“مستقبل قاتم”

كذلك يجري دورياً توزيع مساعدات غذائية وعينية على العناصر مداورة بين الأفواج والقطع الأمنية والعسكرية، بحسب ما يصلها من هبات ومساعدات دولية أو محلية.

لكن كل ذلك “لا يكاد يلامس الواقع الذي وصل إليه حال العسكر والقوى الأمنية في لبنان، فالمساعدات المالية والغذائية ليست سوى خطوات ارتجالية لمجاراة الأزمة التي باتت أكبر من هذه الحلول”، بحسب ما قالت المصادر.

وذكرت أن “أزمة اليوم باتت تضرب الثقة بهذه المؤسسات سواءعلى الصعيد الاقتصادي من الناحية الوظيفية، أو من الناحية الاجتماعية حيث سينعكس ذلك على ثقة المواطنين بها وباستمراريتها، وانتهاءً بالتقصير الأمني الذي قد ينتج عن ارتفاع نسب الفرار وطلبات التسريح مقابل عدم اقبال على الالتحاق بصفوفها كما جرت العادة ما سيؤثر على عديد هذه الأجهزة”.

وقالت المصادر “ليس الحل بتوزيع المعلبات الغذائية وأكياس الشاي على عناصر المؤسسة العسكرية التي اضطرت إلى حذف اللحم من قائمتها الغذائية المخصصة لجنودها بسبب الأزمة الاقتصادية التي تطالها”، وطالبت “بخطة سريعة، واضحة ومدروسة للحفاظ على المؤسسات العسكرية والأمنية وإلا فالمستقبل قاتم”.