//Put this in the section
فارس خشان

عندما تستنجد الممانعة اللبنانية بـ “الشيطان الأكبر”! – فارس خشّان – الحرة

في الثامن من سبتمبر 2020 فرضت الولايات المتحدة الأميركية عقوبات على وزير المالية السابق علي حسن خليل، المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب نبيه بري.

في اليوم التالي، تحدّث طرفان عن “الاتفاق الإطار” الذي يُفرض أن يجمع لبنان وإسرائيل في حوار مباشر لحل النزاع البحري بينهما على منطقة تمتد على مساحة 855 كيلومترا مربعا.




التصريح الأول كان لـ”هيئة الرئاسة في حركة أمل” التي جمعها برّي الذي يتولّى التفاوض مع الخارجية الأميركية حول “الاتفاق الإطار”، أما التصريح الثاني فكان لمساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شنكر، الذي كان آخر من تولّى هذه المهمة، من الجانب الأميركي.

“تصريح برّي” هو الذي ربط، مباشرة بين العقوبات التي استهدفت معاونه السياسي وبين “نقاط عالقة” في “الاتفاق الإطار” الذي بين يديه.

إسرائيل بدأت تحصد ما كان، حتى الأمس القريب، مستحيلا، فلبنان، بفتح مفاوضات مباشرة معها، تقدّم خطوة نوعية، وبموافقة من أعتى رافعي الشعارات ضدّ وجودها، نحو التسليم بوجودها كدولة

أمّا كلام شنكر الذي قاله في معهد “بروكينز”، غداة فرض تلك العقوبات، فأشار إلى أن هناك “نقاطا سخيفة” تشكّل “نقاط خلاف”، مبديا جهله بالأسباب التي تعرقل انطلاق المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، على الرغم أن المسألة تتعلّق بـ “أموال مجانية لدولة تمر بأزمة مالية”، وقال:” أنا محبط من حقيقة أن بيروت لم تُظهر أي عجلة لإيجاد طريقة لبدء التفاوض مع إسرائيل”.

إلا أن لا برّي ولا شنكر كشفا مضمون هذه “النقاط السخيفة”.

كل ما حصل بعد ذلك، أن برّي وشنكر، وبعدما تبادلا الرسائل عبر وسائل الإعلام وفهم أحدهما على الآخر، أعادا هذه الموضوع إلى خانة “السري للغاية”، فيما بدأت مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تشهد عرقلة، لم تكن في الحسبان.

وبات مؤكدا أن “الثنائي الشيعي”، وبعد العقوبات التي شملت إلى خليل وزير الأشغال السابق يوسف فنيانوس، بداعي تقديم “خدمات فاسدة” لـ”حزب الله”، تراجع عن “التسهيلات” التي كان قد قدمها لإنجاح المبادرة الفرنسية، فرفع شعار “الميثاقية” تمسّكا بحقيبة وزارة المال التي لم يشغلها وزير من الطائفة الشيعية من الطائف حتى حكومة حسّان دياب سوى بنسبة 36 بالمئة فيما شغلها وزراء من الطائفتين المارونية والسنية بما نسبته 64 بالمئة، كما أعلن تمسكه بتسمية الوزراء الشيعة، بما يتناقض كليا مع مضمون وروحية “حكومة المهمة” التي تقوم على دعم سائر الأطراف السياسية من دون أن تضم أي وزراء يمثلونها.

وكان لافتا للانتباه أنه في وقت دخل “الثنائي الشيعي” في “اشتباك لفظي” ـ ولو بقي مضبوطا في إطار عدم إغلاق الأبواب ـ مع الرئيس الفرنسي الذي جرى اتهامه بأنه انحاز لإرادة الولايات المتحدة الأميركية، تولى برّي، أحد ركني هذا “الثنائي” الإعلان عن الموافقة على “اتفاق الإطار” وتاليا عن بدء المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية.

والمهم في هذا الإعلان أن واشنطن التي كان قد جدّد الأمين العام لـ”حزب الله” اتهامها بأنها تحاصر لبنان، هي الوسيط المطلوب لتسهيل توصّل لبنان وإسرائيل إلى اتفاق من شأنه، وفق برّي، توفير ما يحتاجه لبنان من أموال لتسديد ديونه.

الخارجية الأميركية تريد أن تقفز “فوق التوقيت” لأن الإبحار فيه “غير دبلوماسي”، و”الثنائي الشيعي” كذلك، لأن السير بما كان سابقا يعرقله “لأسباب سخيفة”، وفق تأكيدات شنكر، يؤكد إصابته بوهن كان كثير من المراقبين قد بدأ الحديث عن عوارضه.

ولكن إذا كان التوقيت حمّال أوجه، فإن الظروف التي أحاطت بإعلان بري للاتفاق الذي على أساسه ستبدأ المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، في مقر الأمم المتحدة في الناقورة بوساطة أميركية، لا يُمكن القفز فوقها.

وهذه الظروف يُمكن إدراجها، ولو من باب الاختصار، كالآتي:

1 ـ تقديم “الثنائي الشيعي” للبنانيين ما يمكن أن يُنسيهم التداعيات التي تترتب، ماليا واقتصاديا وسياسيا ودبلوماسيا، على نسف المبادرة الفرنسية، بتوليد آمال على “سمك في البحر”، بعدما جرى رمي “السمكة” التي كانت في “السلّة”، على اعتبار أن “اتفاق الإطار” هو خطوة أولى في رحلة محفوفة بكثير من الألغام التي تبدأ بثبات النيات ولا تنتهي بفرض شروط مستحيلة. محاولة ربط الترسيم البحري بالترسيم البرّي، في ظل عدم حسم ملكية لبنان لمزارع شبعا مع سوريا، قد يكون مثالا.

2 ـ الاعتقاد بأن دخول الولايات المتحدة وسيطا من شأنه أن يُخفّف من حجم هجمتها العقابية، في إطار اتباعها استراتيجية “الضغط الأقصى” الذي تمارسه على إيران وملحقاتها العسكرية في المنطقة، وذلك انتظارا لنتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية.

3 ـ إفهام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن الضغوط التي يمارسها على “الثنائي الشيعي” لا تُجدي نفعا، فإذا غاب هو حضر الأميركيون.

4 ـ إعادة إمساك “الثنائي الشيعي” بالواقع اللبناني، من خلال إرسال ما يكفي من أدلة بأن لديه ما يكفي من أوراق لتعويمه، حتى مع ألد أعدائه.

5 ـ إفهام المجتمع الدولي أن “الثنائي الشيعي” بما يملك من قوة وحده القادر على أن يُعطي في لبنان، فهو يُعرقل وهو يُسهّل، وهو يقبل وهو يرفض، هو يحل وهو يربط.

ولكن مهما كانت عليه الأسباب التي أدّت إلى إسقاط الثنائي الشيعي للـ”فيتو” عن انطلاق المفاوضات الحدودية بين لبنان وإسرائيل، فإنّ ثمة جمودا قد تحرّك فعلا، وقد يجد فيه جميع اللاعبين ضالتهم.

إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومهما كانت عليه نتائج الانتخابات، أثبتت أن استراتيجيتها في الشرق الأوسط قد أنتجت، فهي فتحت الأبواب الموصدة لحل النزاعات من جهة أولى، ولخلق إطار سلمي ـ تسووي جديد بين العرب وإسرائيل، من جهة أخرى.

كما أن اتهامها بمحاصرة لبنان سقط، بمجرد توسلها لتكون وسيطة، في تسهيل إنجاح قضية من شأنها أن تدر أموالا طائلة على دولة متهالكة ماليا واقتصاديا.

إن “الشيطان الأكبر” تحوّل، بين ليلة وضحاها، إلى “ملاك الرحمة”.

وإسرائيل بدأت تحصد ما كان، حتى الأمس القريب، مستحيلا، فلبنان، بفتح مفاوضات مباشرة معها، تقدّم خطوة نوعية، وبموافقة من أعتى رافعي الشعارات ضدّ وجودها، نحو التسليم بوجودها كدولة، بعدما كان الجميع يعتبر أنها “مجرد كيان مغتصب لفلسطين”. قد يستعمل البعض هذا التعبير مجددا، ولكن، بعد الموافقة على إجراء مفاوضات مباشرة، فهذا النوع من الكلام، لم يعد له أي معنى جيوسياسي، بل يستحيل إخراجه من إطار المزايدات هنا والتلهّي بالشعارات هناك.

اتهام واشنطن بمحاصرة لبنان سقط، بمجرد توسلها لتكون وسيطة، في تسهيل إنجاح قضية من شأنها أن تدر أموالا طائلة على دولة متهالكة ماليا واقتصاديا

وثمة حلفاء لـ “حزب الله” استغلوا هذه المناسبة لإيصال رسالة إلى واشنطن. يتقدّم هؤلاء الوزير السابق جبران باسيل، الذي ومن دون أن تكون له أي صلة، لا سابقا ولا راهنا، بالمفاوضات المرتقبة مع إسرائيل، سارع إلى تدبيج بيان يؤشّر فيه إلى التبرّؤ من كل صلة بإيران، من خلال إشارته إلى أن لبنان لن يفاوض لا على الطريقة العربية ولا على الطريقة الفارسية.

استفاد جبران من صلة المصاهرة برئيس الجمهورية ميشال عون ليكتب هذه الرسالة. هو أيضا لديه ما يخسره في واشنطن، من دون أن يكون لديه ما يبيعه، سوى… المصاهرة.

على أي حال، لبنان اجتاز مفرقا استراتيجيا جديدا، على وقع غبار أثاره قصف معلوماتي بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو وبين الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله.

نتنياهو بثّ معلومات عن مخاطر مخازن أسلحة “حزب الله” على المدنيين. نصرالله كذّبه.

ليس المهم من هو الصادق ومن هو الكاذب، لأن الأهم أن الاثنين يجيدان لعبة تبادل الخدمات!

حتى تاريخه، اتفاق الإطار، يبقي في خانة تبادل الخدمات هذه.