//Put this in the section

“عين التينة” و”تل أبيب” تعلنان الترسيم… وعون “آخر من رحّب”!

بينما كانت الأصوات السيادية تتعالى من بكركي داعيةً لحياد لبنان وبسط سيادة الدولة على السلاح والقرار والتراب والنأي بها عن صراعات المحاور، كانت أبواق التخوين والنفخ في كير العمالة من جوقة الممانعة التي دأبت على “صهينة” المنادين بالسيادة ووصمهم بتهم التآمر والتطبيع تكتم أنفاسها، حتى كاد بعضها يهتف “لبيك أمريكا” على وقع انضواء المقاومة تحت راية “الشيطان الأكبر” كوسيط نزيه على طاولة المفاوضات مع العدو. “حزب الله” قال للأميركيين أمس أنا الدولة وقرار الحرب والسلم فيها، بيدي رفع السلاح وبيدي رفع “غصن الزيتون” في وجه إسرائيل، فاوضوا من أفوّضه بلا قفازات فرنسية أو غير فرنسية وخذوا ما يدهش العالم. وعلى هذه القاعدة، تجسدت الدهشة أمس بإعلان متزامن بين “عين التينة” و”تل أبيب” يزفّ خبر التوصل إلى اتفاق إطار مشترك لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، فتوالت مواقف الترحيب أميركياً وأممياً، بينما بدا رئيس الجمهورية ميشال عون آخر من رحّب بالخطوة فأصدر بياناً استلحق فيه دوره الدستوري في التفاوض الخارجي، بعدما جرّده منه الحزب وجيّره لرئيس مجلس النواب نبيه بري كي يثبّت ركائز التفاوض وأسسه مع الأميركيين، تاركاً من الآن فصاعداً لعون دور تنظيم الأطر اللوجستية على طاولة المفاوضات!

أما “ما بحلى على الرصّ” و”علي حسن خليل أقرب لي بعد العقوبات” و”لبنان بجيشه ومقاومته وشعبه لا أحد يمكنه أن يهدده”… فمجرد عبارات “شد عصب” استخدمها رئيس المجلس على هامش إعلان انطلاق قطار “التطبيع الحدودي” بين “حزب الله” وإسرائيل بوساطة أميركية تحت شعار “أكتر من حقنا أبدناش” التي قالها بري في معرض طمأنة الصديق والعدو إلى ليونة الموقف اللبناني والجهوزية التامة للتعاطي الإيجابي على طاولة المفاوضات، معرباً عن ثقته وأمله بأن تنجح الولايات المتحدة في “تأسيس جو إيجابي وبنّاء” بين لبنان وإسرائيل على طاولة المفاوضات، وكشف في هذا المجال أن الجانبين اللبناني والإسرائيلي “طالبا الولايات المتحدة بأن تعمل كوسيط ومسهّل لترسيم الحدود البحرية وهي تعتزم بذل قصارى جهودها للمساعدة من أجل إدارة المفاوضات واختتامها بنجاح في أسرع وقت ممكن”. وفي سياق متقاطع، جاء إعلان وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتز أن “إسرائيل ولبنان سيجريان محادثات بوساطة أميركية حول الحدود البحرية بين البلدين”، متوقعاً “إجراء المحادثات بعد عطلة عيد العرش (السوكوت) اليهودي” التي تنتهي في التاسع من تشرين الأول، وسط معلومات تفيد بتحديد الرابع عشر منه موعداً لأول جلسة تفاوض في الناقورة.




وإثر إعلان كل من بري وشتاينتز عن تدشين المسار التفاوضي بين البلدين، رحّب وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو بهذا “الاتفاق التاريخي بين الطرفين الذي توسطت فيه الولايات المتحدة”، موضحاً أنه أتى “نتيجة حوالى ثلاث سنوات من المشاركة الديبلوماسية المكثفة من قبل السفير ديفيد ساترفيلد ومساعد وزير الخارجية ديفيد شينكر”، ونوّه بكونها “خطوة حيوية إلى الأمام تخدم مصالح لبنان وإسرائيل والمنطقة والولايات المتحدة ومن شأنها أن تؤدي إلى مزيد من الاستقرار والأمن والازدهار للمواطنين اللبنانيين والإسرائيليين على حد سواء”. أما شينكر، فحرص بدوره على تأكيد مواصلة بلاده “فرض عقوبات على اللبنانيين المتحالفين مع حزب الله أو الضالعين في الفساد”، رغم الاتفاق بين إسرائيل ولبنان على إجراء محادثات الترسيم البحري، لافتاً الانتباه إلى أنّ التفاوض لن يكون مع “حزب الله” ومشدداً على أنّ “لبنان يمر بأزمة اقتصادية والاتفاق مع إسرائيل سيساعده”.

في الغضون، سارع رئيس الجمهورية إلى استنفار صلاحياته المنصوص عنها في أحكام المادة 52 من الدستور، فتعمدّ الترحيب بالإعلان الصادر عن “وزير الخارجية الأميركية” لا عن “رئيس مجلس النواب” حول التوصل إلى اتفاق إطار للتفاوض على ترسيم الحدود بوساطة الولايات المتحدة، تعبيراً عن “امتعاض دفين” من مصادرة الرئاسة الثانية دور الرئاسة الأولى في عملية التفاوض الخارجي، وفق ما لاحظت مصادر مواكبة لـ”نداء الوطن”، مشيرةً إلى أنّ “إعلان بري سحب يده من الملف بعد التوصل إلى اتفاق إطار أتى بدفع من “حزب الله” حفظاً لماء وجه عون، وتمهيداً للإعلان عن أن رئيس الجمهورية من الآن فصاعداً هو من سيتولى المفاوضة بدءاً من تأليف الوفد اللبناني المفاوض ومواكبة مراحل التفاوض”.

غير أنّ مصادر مقربة من “التيار الوطني الحر” لم تخفِ استياءها من النهج الذي اتُّبع في “إدارة ملف التفاوض الحدودي بعيداً عن الأصول الدستورية”، مشددة لـ”نداء الوطن” على أنّ “العودة إلى الفضيلة لا تلغي فعل ارتكاب الرذيلة بحق الدستور وصلاحيات رئاسة الجمهورية”، وأردفت: “على أي حال الملف التفاوضي أصبح اليوم في عهدة الرئيس عون وكما قال رئيس التيار النائب جبران باسيل، علينا الآن البدء بمرحلة جديدة من التفاوض على الطريقة اللبنانية لا الفارسية ولا العربية”.

وعما قصده باسيل بقوله إنّ “لبنان يبدأ اليوم مرحلة استعادة الحقوق بالتفاوض هذه المرة”، أجابت المصادر ممازحة: “يبدو أنّ حزب الله اقتنع بأنّ المرحلة الحساسة الراهنة في لبنان والمنطقة تقتضي السير على خطى الرئيس فؤاد السنيورة في المقاومة الديبلوماسية لا العسكرية لاستعادة الأراضي والحقوق من إسرائيل”.

نداء الوطن