//Put this in the section

ارتفاع نسبة “الدولرة” مؤشر للانهيار في لبنان

في ثمانينات القرن الماضي، ومع ارتفاع نسبة التضخّم وتدهور سعر الصرف اختار اللبنانيون عموما “#الدولرة” كملاذ آمن للمحافظة على قيمة مدخراتهم وقدرتهم الشرائية، حتى انها اعتمدت كسياسة ثابتة من السلطات النقدية والمصارف نفسها. ولكن مع اشتداد الازمة المصرفية والمالية في لبنان، ومع عدم قدرة المصارف على إعادة الودائع ب#الدولار عند استحقاقها للمودعين، بدأ التداول باقتراح تحويل قسري للودائع بالعملات الأجنبية إلى الليرة ودفعها بالليرة عند الاستحقاق.

تعتبر “الدولرة التي وصلت نسبتها في الحسابات المصرفية في نهاية شهر تموز 2020 الى 77% بعدما كانت نسبتها خلال تموز 2019 نحو 66%، احد اهم مؤشرات عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، لكونها تعكس عدم ثقة المواطنين بسياسات الدولة النقدية والمالية” وفق ما يقول الخبير الاقتصادي ورئيس الجمعية الإقتصادية اللبنانية الدكتور منير راشد، فيما تؤكد الأستاذة الجامعية الدكتورة ليال منصور أنّ “الدولرة في لبنان تعتبر غير رسمية، وهي رفاهية غير موجودة في بعض الدّول العربية حيث يعتبر استخدام الدولار في التداول اليّومي بين المواطنين امراً مخالفاً للقانون”. لكن هذه الدّولرة كانت ضرورية لإدخال الأموال الى البلد واقتناع المتمولين الأجانب بالاستثمار في لبنان.




وتوضح منصور ان “الدولرة الجزئية سيف ذو حدّين، لأنهّا الحل في بلد يسوده جو من عدم الثقة، وتعتمد لفترة قصيرة الى حين القيام بالإصلاحات المطلوبة. لكن في لبنان طالت مدّة الدولرة خصوصًا بعد انتهاء الحرب الأهلية وإبرام اتّفاق الطّائف، فأصبح الشعب مدمناً على الورقة الخضراء وإنعكس ذلك على نمط حياة المواطنين الذين يقيسون قيمة رواتبهم واسعار السلع والخدمات بالورقة الخضراء بدلا من العملة المحلية”. ويعزو راشد هذا الامر الى دخول أموال المغتربين المحولة لعائلاتهم الموجودة في لبنان بالعملة الصّعبة، بالإضافة الى مشكلة الحوكمة السيئة في لبنان التي خلفت جواً من عدم الثّقة مما دفع المواطنين لتحويل مدّخراتهم من الليرة اللبنانية الى العملة الصّعبة بهدف الحفاظ على قيمتها.

يجمع الاقتصاديون على انه عندما يترافق سعر الصرف الثّابت مع الدولرة الجزئية يؤدي الى تفاقمها، وذلك بسبب معدّل الفائدة الذي يكون أقل على الحسابات والقروض بالدولار الأميركي منها على الليرة اللبنانية، مما يدفع العميل الى الإستدانة بالدولار تخفيضًا للكلفة وفي المقابل يضمن بعد ذلك تحويل مدخوله من العملة المحلية الى الدولار من دون مخاطر على اساس سعر الصرف الثابت للإيفاء بالتزاماته. “لذلك كان ينبغي أن تكون ادارة توظيف العملة الخضراء أكثر رشدًا، والحل الأمثل لذلك هو “الأوفشور بنكيكنغ” “Offshore banking” وهو نظام من خلاله يُقسم المصرف الى فرعين، الفرع الأول يتعامل بالعملة المحلية أي الليرة اللبنانية والفرع الثاني يتعامل بالدولار الاميركي، وفق ما يقول راشد. المغزى من ذلك هو تقديم القروض بالعملة الأميركية فقط لمن يتقاضى راتباً او دخلاً بهذه العملة مثل المصدرين للسلع، وتاليا نضمن استرجاع هذه الدولارات، ومن جهة ثانية ايفاء العميل لقرضه بنفس العملة التي استقرض منها”. اما الدكتورة ليال منصور فتضيف من جهتها ان “الفوائد المرتفعة على الودائع المصرفية في المرحلة الأخيرة قبل الانهيار كانت خير دليل على الواقع السلبي، وكان على اللبنانيين تلقي هذه الاشارات بدل الفرح بالفوائد المرتفعة لأنها ليست سوى علامة ترتفع مع انخفاض التصنيف”.

وقد صدر عن المصرف المركزي اللبناني التعميم الوسيط رقم 13260 الذي بموجبه يطالب من المصارف القبول من المقترض المقيم الذي لا يملك حساباً بالدولار بتسديد الاقساط أو الدفعات المستحقة بالعملات الاجنبية والناتجة من قروض التجزئة، بالليرة اللبنانية. لكن يتوجب على المقترض من “غير المقيمين” الدفع بالدولار النقدي، اذا كان قرضه يصنف من ضمن فئة قروض التجزئة او الاسكان (…). يعتبر راشد هذا التعميم محاولة لتصحيح المسار الخاطئ عندما كانت تعطي المصارف القروض بالعملة الصعبة حتى لمن ليس له دخل بالدولار ويشير ان بعض الضمانات العينية التي غالباً ما تقدّر وتباع بالدولار يمكن ان تحل مكان الدخل المذكور والواجب اشتراطه”.

وبحسب منصور، تشير الدولرة المرتفعة الى تعرض الإقتصاد الكبيرة للأزمات، فيما ادى تراجع مستوى هذا المخدر (أي الدولار) من الأسواق الى هستيريا جماعية، لذا كنا نشاهد طوابير من اللبنانيين على ابواب المصارف ينتظرون نيل ورقة واحدة من فئة الـ100 دولار”. إلا ان راشد اعتبر “انّ سبب عدم صحة الاقتصاد وتعرضه للمشاكل هي العجوزات المالية، والسياسات النقدية والمالية الخاطئة، مبيناً “أنّ العجوزات المالية الكبيرة أدّت الى ارتفاع معدل الفائدة التي بدورها ادّت الى ارتفاع الودائع المصرفية التي تجاوزت بمرتين ونصف مرة تقريبًا الناتج المحلي الإجمالي لذلك وضعت المصارف جزءاً كبيراً من هذه الدولارات في المصرف المركزي الذي استخدم ما يقارب الـ70% منها في تثبيت سعر الصّرف وتمويل الدّولة وايضاً لإستيراد بعض
المواد مثل الفيول، علما ان الودائع المصرفية بالدولار تقدر بـ 90 مليار دولار، لذلك فهذه ازمة دولار”.

ديون لبنان الخارجية والداخلية كانت سببًا في المشاكل الكبرى التي أدت إلى الاضطرابات الاقتصادية منذ عام 1993، في حين ان الإيرادات الحكومية في الاعوام المالية منذ عام 1964 كانت أقل من الإنفاق العام، بما يؤدي إلى عجز في الميزانية يتم تغطيته من خلال الاقتراض. ولتجنب زيادة الدين العام واجتذاب جزء من رؤوس الأموال التي يحتفظ بها اللبنانيون في الخارج، أصدرت الحكومة في نهاية عام 1994 قرضا بسندات الأوروبوندز بلغ أكثر من 300 مليون دولار، وكانت دافعا لدولرة الاقتصاد اللبناني الذي بدأ بداية مع الاضطرابات الاقتصادية والسياسية خلال سنوات الحرب التي تسببت في دولرة الودائع المصرفية، ومن ثم أتى دور الحكومة عبر الاستدانة بالدولار لإعادة الاعمار بحجة أن تكلفة الدين بالدولار أقل. من هنا رأت منصور “انه يمكن لأي دولة في العالم الإستدانة بالعملة المحلية التي يمكنها طبعها وتكون هذه الاستدانة خالية من مخاطر الإستدانة بالدولار، فالدين الخارجي يعتبر خطيئة أصلية ويعرّض البلد لهزات كبيرة، وهذا ما حصل بالفعل في لبنان”. اما راشد فاعتبر “انّ هذه السّياسات كانت خاطئة حتى صندوق النقد الدولي في مرحلة من المراحل شجّع لبنان على الاستدانة بالدولار بحجة أن الفوائد على الدولار أقل من تلك المفروضة على الليرة. صحيح أنّ التكلفة اقل إلّا أن الدولة بهذه الإستدانة ستضغط على سوق الدولار للايفاء بديونها الخارجية خصوصًا أن مواردها المالية بمعظمها هي بالليرة اللبنانية”.

ويضيف أنّ “حاجة لبنان من العملة الصعبة انخفضت مع تدهور سعر الصرف في السوق السوداء، فبعد أن كان ميزان الحساب الجاري للمبادلات بالسلع والخدمات 12 مليار دولار بات اليوم اقل من 4 مليارات دولار. يؤدي تدهور سعر الصرف الى تضخم اقتصادي لأن السلع في لبنان بمعظمها مستوردة، ولكن لا ترتفع الأسعار بنفس نسبة تدهور الليرة اللبنانية لان جزءاً من هذه السلع (من 15 إلى 20%) إنتاج محلي، وهذا الجزء المحلي لا ترتفع كلفته بنفس زيادة سعر صرف الدولار”.

يتساءل البعض: بعد تخطي نسبة دولرة الحسابات المصرفية الـ70%، ما الذي يمنع وصولها لنسبة 100% والانتقال الى نظام نقدي جديد عبر اعتماد الدولرة الشاملة؟ تؤكد منصور “ثمة خصائص للبنان متعلقة بالجغرافية والتاريخ تمنعه من اعتماد الدولرة الشاملة، فعلاقة لبنان مع الولايات المتحدة الأميركية ليست كعلاقة دول أميركا اللاتينية “المدولرة” معها. يكمن الحل باعتماد لبنان لنظام “صندوق تثبيت القطع” او “currency board” الذي يعيد النظام في سوق النقد عبر طبع ليرات يوازي عددها الدولارات المطلوب توافرها في السوق. ولكن لبنان يخسر تحكمه بالسياسة النقدية من جهة، ومن جهة اخرى تنخفض نفقات الدولة. لذلك لا يُعتمد هذا الحل الّا في حالات الانهيار الشامل، وايجابيته الإضافية في لبنان انه يكف يد السلطة عن الفساد”.

اما راشد فيعتبر “أنّ الدولرة لها ايجابياتها ولكن تخسر الدولة بموجبها ادواتها للتحكم بالسياسة النقدية، وصندوق تثبيت القطع ليس جيدّاً بالمطلق بحيث يكون للدولة نظام بموجبه تطبع عملة محلية ولكن في حال تم تسجيل عجز في ميزان المدفوعات فهذا سينعكس سلباً على كمية السيولة المتوافرة في السوق مما يؤدي الى ركود اقتصادي. الحل الأمثل لتعويم سعر الصرف هو العمل على سياسة مالية حازمة خالية من العجز فالدولة يمكنها الإستدانة بقيمة 15% فقط من ايرادتها خلال السنة، الّا انها كانت قبل الإنهيار تستدين بأكثر من ذلك بكثير”.

يوجد الكثير من الحلول، والسياسات، والتدابير الإنقاذية، ولكن هل من أذن صاغية في الحكم؟ ماذا ينتظر لبنان؟ هل ستتألف حكومة مهمة؟ فبين الفعل واللاإمتناع عن الفعل مصير ملايين من اللبنانيين معلق على أجل غير محدد وشروط اقليمة ودولية كثيرة.

المصدر: النهار