//Put this in the section

السياسيون ينتفضون لكرامتهم ولكن لا حل

روزانا بومنصف – النهار

انتفض اركان قوى 8 آذار لكرامتهم(!) ازاء ما لحق بهم من الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون. كانوا صمتوا وهم اهل السلطة المتحكمة بحكومة حسان دياب لدى زيارة ماكرون الاولى الى بيروت غداة انفجار المرفأ حين قرعهم ودان انعدام المسؤولية والفساد. صمتوا ولم يردوا على الاهانة التي لحقت بهم لان دماء اللبنانيين كانت على الارض وكذلك ضياع بيوتهم وجنى اعمارهم. صمتوا وقتها على مضض تحت وطأة الفاجعة كما صمتوا على الكلام الموجع والمهين الذي وجهه وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو. اضحت سمعتهم مضرب مثل على الصعيد الدولي ولكن ومجددا لئلا يكون “حزب الله” وحيدا وكأنه وحده من استهدفه ماكرون بادر اركان قوى 8 آذار الى الرد كل على طريقته،فيما ان الانتفاض الحقيقي لكرامتهم يفترض بهم الخجل والرحيل. وفر ماكرون على اللبنانيين خجل الانتماء الى وطن فاشل وفاسد مصوبا وجوب الخجل من السياسيين واركان السلطة المتحكمين بالبلد والذين اوصلوه الى ما وصل اليه. ابقى المنتفضون لكرامتهم الباب مفتوحا مع فرنسا لانها نافذتهم الوحيدة علما ان “حزب الله” اظهر انه اذا كان لا يسير بالضغط او العقوبات كما يفعل الاميركيون فانه لم يقابل الانفتاح عليه و”شرعنته” من فرنسا ايضا لان مصلحة ايران ومصلحته في مكان اخر.وفي اي حال، ليس مهما دفاعهم عن انفسهم ازاء مضبطة الاتهام التي قدمها الرئيس الفرنسي، والتي تجد صدى قويا دوليا واقليميا ومحليا ايضا (اقرأوا الصحافة العالمية)، لان المنتفضين من اجل كرامتهم يسردون كل انواع الذرائع التي تبرر تصرفاتهم او تنفيها في معرض القائها على خصومهم او على الاخرين. وهم لم يبالوا بانتفاضة اللبنانيين لكرامتهم منذ 17 تشرين الاول 2019. الا ان ذلك لا يلغي السؤال عما هم فاعلون ازاء الجحيم الذي دفعوا لبنان واللبنانيين اليه نتيجة اصرارهم على مصالحهم الشخصية والمباشرة السياسية وغير السياسية. ما هي خططهم للبنان ما بعد افشال المبادرة الفرنسية وكيف سيواجهون الانفجار الاجتماعي الحتمي وانحلال الدولة الذي يواجهه اللبنانيون واهانة كرامتهم بتجويعهم وافقارهم واذلالهم؟ هل يمكنهم تنظيم قيادة اللبنانيين الى “جهنم” وفق تعبير الرئيس عون؟
مشكلة الزعامات السياسية ان ماكرون عبر عن اللبنانيين وتحدث باسمهم كما فعل في الجميزة فيما هم يقاومون الواقع الذي انتهوا اليه على المستوى الشعبي ولا يملكون حلولا ولا يريدونها ايضا. كان الرئيس ميشال عون مرتاحا الى قيادة ماكرون دفة الحكومة باتصالاته الحثيثة مع كل الافرقاء وعاد اليه في كل مرة احتاج الى تسويق موقفه. الان بات هو في الواجهة واصابات الكورونا تقدم تبريرا طبيعيا لتأجيل الدعوة الى الاستشارات النيابية الملزمة وتقطيع بعض الوقت قبل موعد الانتخابات الاميركية في 3 تشرين الثاني المقبل ومحاولة التفكير في ما يمكن ان يخرج به الى الناس في ظل انسداد الافق الحالي بعد تبشيرهم باننا ذاهبون الى جهنم اذا لم تتألف الحكومة. فعون لا يملك خطة لما بعد مبادرة الرئيس الفرنسي وتجنيب لبنان جهنم. هو لم يبذل مجهودا كافيا من قبل ويضاف الى ذلك انه اذا عجز الاخير عن تجاوز العقبات الاقليمية امام التأليف فانما يعني ان اي تأليف اخر للحكومة لن ينجح ما لم يكن تسليما كما في السابق لحليفه ” حزب الله”، وذلك فيما هو خطا خطوة مهمة على طريق الاصرار على المداورة في الحقائب. ولكن كثرا يعتبرون ان حججه ضعيفة جدا فيما هو الذي اصر مرارا وتكرارا على وزارة الطاقة لتياره ومن منطلق عدم اتاحة كشف ما ارتكبه الوزراء المتعاقبون عليها في الاعوام الاخيرة تماما كما حصل بالنسبة الى وزارة المال التي يشكل الخوف من افتضاح ما فيها احد الاسباب لـ”ميثاقيتها”، وكذلك الامر مع عون بالنسبة الى تعطيل تأليف الحكومات، وهو كان رائدا منذ ما بعد 2005 على هذا الصعيد. ولذلك لا يملك اي اوراق يستخدمها للمونة على الاقل في تسويق ما كان اعلنه ابان محاولة مصطفى اديب تأليف حكومته.
المخاوف الفرنسية على لبنان انطلقت قبل انفجار 4 آب حين ناشد وزير الخارجية جان ايف لودريان وقبل زيارة للبنان قام بها في23 تموز الماضي الزعماء اللبنانيين مساعدة انفسهم لكي نساعدكم. اقترح البعض عليهم في معرض البحث عن المساعدة اعادة جمع مندوبين عن الاحزاب للاتفاق على حد ادنى من الجوامع المشتركة قبل الذهاب الى تأليف حكومة جديدة. لكن الفرنسيين كانوا مستعجلين ولم يروا ان الوقت متاح لترف المناقشة كما في اجتماعات سيل سان كلو في 2007. كانوا مستعجلين لتأليف حكومة تساهم في انتشال الوضع بمساعدتهم علما ان تأليف الحكومة قد لا يستغرق ساعات اذا اتفق اهل الطوائف السلطوية. اليوم عون يعجز كليا عن جمع الزعماء الى طاولة حوار، وليس واضحا اي حوار ممكن وعلى اي اساس فيما انه لا قاعدة لحوار منتج في ظل انتظار ايران الانتخابات الاميركية. وفرنسا لن تأخذ على عاتقها هذا العبء لعدم جدواه ايضا في هذه المرحلة. وفي حال هي لم تأخذه لن تستطيع اي دولة ان تتولاه ايضا فيما ان الزعماء اللبنانيين لن يتكمنوا من الاتفاق لوحدهم خصوصا في ظل الاستقطاب لا بل الصراع الاقليمي الحاد.
يخشى البعض ان غياب القدرة على ابتكار الحلول من اهل السلطة وتقطيع الوقت سيتم ملؤهما باجراءات اقتصادية تشغل الناس وتلهيهم في البحث عن البنزين او الخبز تماما كما يفعل النظام السوري وكل الدكتاتوريات او البلدان غير الديموقراطية التي تدفع باهتمامات الناس في اتجاه يومياتهم لا سيما مع اليأس من طبقة سياسية غير فاعلة وتعطيل انتاج بديل من الانتفاضة لها.