//Put this in the section

ما اكتشفه ماكرون في لبنان!

علي حمادة – النهار

لم يكن المراقبون في حاجة الى كثير من العناء لكي يستخلصوا من المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ان المبادرة الفرنسية سقطت، وربما لن يعود بالإمكان إحياؤها لأسباب عدة، أهمها ان “اللحظة” التي جرى تفويتها مرت، وان “النافذة” التي فتحها الفرنسيون في جدار الأزمة اللبنانية أُغلِقت، وسوف يكون من الصعب بمكان إعادة فتحها بالشروط نفسها التي كانت مطروحة على الطاولة حتى يوم اعتذار الرئيس المكلف مصطفى أديب، ولا سيما ان المرحلة المقبلة ستكون حبلى بتطورات كبيرة.
وهنا لا بد من الإشارة الى ان الموعد الذي ضربه الرئيس ماكرون للبنانيين لكي يعودوا الى التقاط فرصة المبادرة (أربعة الى ستة أسابيع) هي المدة التي تفصلنا عن الانتخابات الأميركية في الثالث من تشرين الثاني المقبل. بمعنى آخر، اعترف الرئيس الفرنسي ضمناً بأن باريس لا يمكنها ان تعمل وحدها، وانها هي أيضا في حاجة الى انتظار جلاء الصورة في واشنطن قبل ان تعاود المحاولة. والاعتراف الفرنسي الضمني بأن الأمور متشابكة، وبأن تحييد لبنان (ما دام الإيرانيون يمسكون بالقرار فيه) أمر غير ممكن من دون ان يصعد الاميركيون الى قطار المبادرة الفرنسية، وإنْ معدلة، ومعهم العرب المعنيون بالازمة اللبنانية، وبأي عملية انقاذ اقتصادية محتملة، ونعني هنا العرب الذين تتقدمهم السعودية ومعها دولة الامارات وحلفاؤهما.




كان مؤتمر الرئيس ماكرون قويا، وقاسيا في معظم الأحيان عند مقاربته لواقع الحياة السياسية اللبنانية، وللأطراف المهيمنين عليها محليا. فالنظرة سلبية الى اقصى الحدود، وكأنه تحدث عن “لصوص” وليس عن قادة سياسيين تسير خلفهم جموع مناصرين. أما في حالة “حزب الله” فالامر مختلف، والخطاب الفرنسي المتعلق بالحزب تغير على نحو دراماتيكي، من دون ان يوصد باب الحديث مع الإيرانيين الذين لم “يلاحظ” ماكرون أثراً لتدخّلهم في الشأن اللبناني.

طبعا يعرف الرئيس الفرنسي طبيعة العلاقة القائمة بين طهران و”حزب الله”، وهي علاقة عضوية يكاد الحزب فيها يتحول الى امتداد طبيعي للنظام بكل تلاوينه. ومع ذلك فهم الرئيس الفرنسي أمراً مهماً كان يحاول ان يغيّبه في لقاءاته السابقة مع القيادات اللبنانية ظناً منه ربما ان “التفاتته” الى الحزب المصنَّف إرهابياً في معظم دول العالم، وفي العديد من الدول الأوروبية، يمكن ان تشكل حافزاً للحزب كي يساهم في تعبيد طريق الحكومة التي كان ماكرون ينشدها للبنان. هذا الأمر لم يحصل، وبقي “حزب الله” كما هو، قوة قاهرة في لبنان، ومهيمنة على مجموعة سياسيين عاجزين مشتتين، وفوق ذلك كله لصوص لا يخجلون، نهبوا قوت اللبنانيين مدى عقود، ومعظمهم تواطأ مع “حزب الله” لإفساح المجال امامه كي يسيطر على القرار الوطني السيادي، بحيث ما عاد بالإمكان تصور أي تغيير في المدى المنظور قبل ان تنتفي تلك الحالة الشاذة التي مثّلها ويمثّلها الحزب الذي بدا في الآونة الأخيرة يلمس بدايات عزلة لبنانية داخلية تواجهه، وخصوصا في ضوء انهيار حليفه المسيحي في سدة الرئاسة ميشال عون وحاشيته معنويا وسياسيا، وحصول بدايات ابتعاد حلفاء آخرين عنه.لقد لمس الرئيس ماكرون بيده لصوصية القيادات السياسية وانتهازيتها، لكنه لمس أيضاً قدرة البعض منهم (“حزب الله”) على الدوس على مصالح شعب بأسره من دون ان يرف له جفن. وقيل للفرنسيين اكثر من مرة، ان التنظيم الأمني – المخابراتي هذا الذي لا يهزه ارسال آلاف الشبان الى الموت في سوريا، والعراق، واليمن، لن تهزه ادانة رئيس فرنسا له من على منبر قصر الاليزيه، وتحميله المسؤولية الأكبر عن فشل المبادرة الفرنسية. خلاصة الامر ان فرنسا ربما بدأت تفهم ان اللبنانيين يتعايشون مع طرف لا يمكن التعايش معه تحت سقف واحد، لا اليوم، ولا غداً!