//Put this in the section

مصطفى أديب فعل الصواب

علي حمادة – النهار

منذ أن بدأ “الثنائي الشيعي” في وضع العراقيل بوجه المبادرة الفرنسية، بدا واضحاً لكل المراقبين أن ثمة أمر عمليات صدر لإفشال المبادرة، وخصوصاً أن أول الغيث أتى مباشرة في أعقاب صدور عقوبات أميركية على كل من الوزيرين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس لارتباطهما بدعم أنشطة “حزب الله” المالية. فمنذ تلك اللحظة ظهرت “عقدة” اختيار وزير المال التي طُرحت في إطار “ميثاقي” كان من الصعب تجاوزه، حيث إن السقف كان عالياً، الأمر الذي لمسه الفرنسيون منذ البداية، من خلال أجوبة “حزب الله” على مطالبتهم بتخطّي هذه المسألة للمساعدة على انطلاق المبادرة الفرنسية.
كان التصلب سيد الموقف، وقد قابله موقف نادي رؤساء الحكومات السابقين الذي تمسك بنص الدستور الذي ما لحظ يوماً تخصيص طائفة معينة بأي حقيبة وزارية، وما كانت وزارة المال يوماً جزءاً من معادلة الحفاظ على ميثاقية الحكومات سوى في حسابات “حزب الله” الساعي دائماً وأبداً إلى قضم القرار الوطني لحساب أجندته الإقليمية، والساعي أيضاً إلى السيطرة على المؤسسات الرسمية، وصولاً إلى استتباعها الواحدة تلو الأخرى لسياساته، ولمشروع إلحاق لبنان بالمحور الإقليمي الذي تقوده إيران، والذي يمثله الحزب هنا قائداً لتحالف 8 آذار.
لقد كان من الواضح أن الفرنسيين غرقوا في وحول اللعبة السياسية اللبنانية، وقد أخطأوا لحظة تراجعوا أمام الابتزاز الذي مارسه “حزب الله”، فتحولت ضغوطهم شطر حلفائهم وأصدقائهم كالرئيس سعد الحريري الذي طولب بأن يتحمل أكثر مما يستطيعه في اللحظة السياسية الراهنة، فتقدّم بمبادرة أعطت الثنائي، الذي بادلها بعدم التراجع قيد أنملة عن موقفه الصارم في ما يتعلق بوزارة المال، وبقية الوزرات، بما أدى عملياً إلى إفراغ المبادرة الفرنسية من روحيتها، ومبادئها التي قامت عليها، وأهمها أن تكون الحكومة برئاسة مصطفى أديب مستقلة! هكذا سقطت استقلالية الحكومة بالضربة القاضية، وإن تكن باريس قد اعتبرت أن التوقف عند مبدأ المداورة ما كان يستأهل موقفاً متصلباً من رباعي رؤساء الحكومات السابقين، ولا رفعاً لسقف المواقف المتشنجة من قبل “الثنائي الشيعي” الذي وصل به الحال إلى رفع الأمر إلى مرتبة المحرمات “الدينية”!
لقد ارتكب الجميع أخطاء كبيرة في سياق تنفيذ بنود المبادرة الفرنسية. وباريس ما كانت معصومة عن الخطأ، بل إنها استسهلت قراءة حقيقة العلاقة مع طهران وانعكاسها على موقف “حزب الله” لبنانياً. كما أنها قدّرت قيمة مواقفها اللينة مع طهران و”حزب الله” بأكثر من قيمتها عند الطرف الإيراني المهجوس بصراعه مع الأميركيين، وبرغبته الدفينة في التوصل إلى صفقة مع واشنطن التي هي مصدر “الأوجاع” من كل صنف. فلماذا تقديم تنازل لفرنسا قبل أربعين يوما على موعد الانتخابات الاميركية؟
لقد اعتذر مصطفى أديب في أكثر اللحظات حرجاً في تاريخ لبنان، وقد فعل الصواب. والأهم أنه في مكان ما أعاد الاعتبار إلى موقع رئاسة الحكومة، وتجنب التورط في اشتباك سياسي لا طائل منه مع طرف يمكن أن يكون ساعياً إليه في سياق كسب الوقت وقضم المؤسسات أكثر. ومن هنا تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى التمسك بالمبادرة الفرنسية، ولكن على قاعدة إعادة الاعتبار إلى الدستور بدلاً من السعي الدائم إلى استغلال كل محطة لاستتباع الدولة لصالح الميليشيا بكل الطرق الملتوية.