//Put this in the section

أديب المعتذر يعيد الاعتبار لرئاسة الحكومة.. ولبنان في جهنم

منير الربيع – المدن

صباح اليوم السبت، أعلن رئيس الحكومة المكلف مصطفى أديب، بعد زيارته رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في قصر بعبدا، اعتذاره عن مهمة تشكيل الحكومة.
وقال أديب: “أعتذر من مهمة تشكيل الحكومة، وأتمنى لمن سيكلّف من بعدي كل التوفيق في هذه الظروف الصعبة”.
وتوجّه بالاعتذار من الشعب اللبناني، مؤكدًا أن “مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يجب أن تستمر لأنها تعبر عن نية صادقة من فرنسا”.




تفخيخ متعدد 
مصطفى أديب، ثاني رئيس للحكومة يعتذر عن تشكيلها ما بعد اتفاق الطائف. المرة الأولى فعلها سعد الحريري في العام 2009. اعتذر الحريري بسبب شروط تكتل التغيير والإصلاح حينها، وبسبب موقف لرئيسه حينذاك ميشال عون قائلاً:” كرمال عين صهر الجنرال عمرها ما تتشكل حكومة”. كان عون حينها مصرّاً على توزير جبران باسيل في وزارة الاتصالات بينما الحريري يرفض. اعتذر الحريري، أعيد تكليفه بتسوية قضت بتوزير باسيل في وزارة الطاقة. اليوم اعتذر مصطفى أديب لأسباب مشابهة حول الحصص. لم يكن الخلاف حصراً على وزارة المالية. علماً أنها كانت أمّ العقد بسبب موقف الثنائي الشيعي، الذي تمسك بتسمية وزير المال والوزراء الشيعة الآخرين.

ولكن حتى لو تنازل أديب عن هذه النقطة، كانت ستبرز عقد جديدة، عقدة لدى رئيس الجمهورية الذي يرفض أن يكون “باش كاتب” ويريد الشراكة بعملية التشكيل. وكان عون قد توجه إلى أديب مراراً بأن عليه مشاورة الكتل النيابية التي ستمنحه الثقة. في تلك المشاورات كان سيبرز تشدد من قبل القوى السياسية في مطالبها والحرص على تمثيلها. أيقن أديب أن المبادرة التي حملته إلى رئاسة الحكومة قد فخخت من أكثر من طرف. فانعكس الصراع الإيراني الأميركي في جوانب عملية التشكيل وشكل الحكومة المفترضة. طلب عون من أديب اللقاء مع باسيل ومع غيره لوضع تفاهم على التصور الحكومي. لكن الرجل كان يعتبر أنه جاء بمهمة محددة، وكل الكتل النيابية عندما أجرى استشارات غير ملزمة معها، وافقت على عدم التدخل في التسمية وعدم وضع الشروط. لكن كل شيء قد تغير وفق ما أكد بعد لقائه رئيس الجمهورية وإعلانه اعتذاره.

فرنسا والمواجهة
لم يكن تفصيلاً أن تخرج مواقف عن رؤساء كتل نيابية في قوى 8 آذار المتحالفة مع حزب الله، تعلن فيها أنها لن توافق على منح الثقة لحكومة لم تشارك في اختيار وزرائها. بدا ذلك منسقاً وفي إطار التفخيخ المستمر للمبادرة الفرنسية أو تفريغها من مضمونها. عندما تنازل الحريري عن وزارة المال للثنائي الشيعي، برزت شروط جديدة كان قد أعلنها حزب الله مسبقاً وهي التمسك باختيار الوزراء الشيعة. وطلب حزب الله من سليمان فرنجية أن يخرج بموقف ولا يشن هجوماً على رئيس الجمهورية، لأن المرحلة تقتضي اللحمة والوحدة في مواجهة المخاطر. فكان فرنجية ليناً مع عون في معرض تأكيد مطلبه بالمشاركة باختيار الوزراء، كما فعل طلال ارسلان وحزب الطاشناق.

فخخت المبادرة الفرنسية في أكثر من محطة. بعد ساعات على زيارة ماكرون إلى بيروت، كان هناك موقف أميركي واضح لوزير الخارجية الأميركي ضد حزب الله، تلاه موقف لوزير الخارجية السعودي يعتبر أن حزب الله إرهابي ولا يمكن السماح بأن يكون ممثلاً للبنانيين. جاءت العقوبات الأميركية التي عقدت عملية التشكيل. فكر أديب أكثر من مرة بالاعتذار. لكن الفرنسيين كانوا يصرون على التريث لإنجاح مبادرتهم، حتى فقدوا الأمل ليل الجمعة، وأبدوا تفهماً للاعتذار، مقابل تأكيدهم بأنهم لن يتخلوا على لبنان وستستمر مبادرتهم، سواء بالبحث عن رئيس جديد للحكومة أو بترك حكومة تصريف الأعمال حالياً، مقابل استمرار المبادرة بشقها الآخر الاقتصادي، ومن خلال الحضور الفرنسي بقوة في البحر الأبيض المتوسط وعلى الشواطئ اللبنانية.

كان كلام الملك السعودي عن حزب الله مفصلاً أساسياً، لم يكن بالإمكان استمرار سعد الحريري ورؤساء الحكومة في تشكيل حكومة بشروط الحزب. كان أديب ليناً، لكنه صلب في آن معاً، عندما رفض استلام لائحة بأسماء المرشحين للتوزير من قبل الثنائي الشيعي، وعندما رفض عقد أي لقاء مع جبران باسيل، كما رفض التسليم بشروط رئيس الجمهورية ميشال عون. وهذا ما يسجّل لأديب، الذي أعاد الاعتبار بشكل أو بآخر لصلاحيات رئيس الحكومة. ولم يدخل في بازار المساومات، بخلاف غيره من الرؤساء، وبخلاف ما جرى تكريسه في السنوات الفائتة.

مخاطر سياسية اقتصادية أمنية
صحيح أن الرجل أجّل اعتذاره أكثر من مرّة. فهو لم يكن يريد لا الدخول في مواجهة مع حزب الله ولا مع ميشال عون، وحتماً لن يكون قادراً على ذلك، وثانياً لم يكن يريد إجهاض المبادرة الفرنسية سريعاً. انتظر إلى أن أبدى الفرنسيون تفهمهم لموقفه بالاعتذار. بعد فشل اللقاء مع الخليلين مساء الجمعة، أجرى أديب اتصالاته مع باريس. وكان هناك تفهّم فرنسي لهذه الخطوة. يفترض بمصطفى أديب وتجربته أن يغيّرا الكثير من القواعد في عملية تشكيل الحكومات. ولن يكون من السهل على أي رئيس حكومة يأتي من بعده، خصوصاً إذا ما كان يدّعي التمثيل سنياً، أن يقدم تنازلات مجانية كما كان يحصل سابقاً.

بعد اعتذار أديب سيدخل لبنان منعطفاً جديداً. لن يكون الفرنسيون مرتاحين لمسار الأمور، وسيتعرضون للكثير من الضغوط الأميركية، للابتعاد عن حزب الله وتصنيفه إرهابياً. وسيقول الأميركيون إنهم نصحوا الفرنسيين مراراً، ولكنهم لم يقتنعوا أن لا مجال للوصول إلى تفاهمات مع الحزب. مخاطر سياسية وأمنية واقتصادية ستبرز بقوة لبنانياً. أما سياسياً، سيكون لبنان أمام احتمالين، الأول العودة إلى التوافق على رئيس للحكومة. وهذا يحتاج إلى وقت وإلى شروط متعددة، وتوفر شروط تسووية لا يبدو أنها متوفرة حالياً. وقد تطول الأزمة بانتظار الانتخابات الأميركية وما بعدها. أو الاحتمال الثاني، بتشكيل حكومة بشروط حزب الله، سواء كانت حكومة مواجهة من قبل 8 آذار يختار الحزب رئيسها ووزراءها، أو تشكيل حكومة لا تتخذ صفة المواجهة بشخصية غير متحالفة مع الحزب، ولكن بالشروط التي يفرضها. إلا أن ذلك لن يحلّ المشكلة، لأن التصعيد الأميركي مستمر، والشرط الأساسي هو عدم مشاركة حزب الله وحركة أمل بأي تركيبة حكومية.