//Put this in the section

كيف توظف إيران المخدرات لخرق العقوبات الأميركية

تحاول إيران في كل مرة تظهر فيها مناوشات مع الولايات المتحدة تشتيت انتباه العالم عن أفعالها “السرية” خاصة وأن لها تاريخا طويلا في كسر الحظر الأميركي حتى قبل الاتفاق النووي، الذي جاء عقب سنوات من التحقيقات في ترسانتها العسكرية المثيرة للجدل.

وعلى الرغم من الاستفزازات الإيرانية الهادفة إلى تخفيف العقوبات الأميركية لمواجهة تداعيات انتشار وباء كورونا على الاقتصاد الإيراني المهدد بالانهيار، إلا أنه ليس هناك ما يشير إلى احتمالات تصعيد متبادل بمستويات أعلى، حيث أن كلا من واشنطن وطهران لا ترغبان في الدخول بمواجهات محدودة أو حرب مفتوحة على كل الاحتمالات.




وقد رفعت العقوبات بعد انسحاب الرئيس دونالد ترامب من حدة الضغوط على طهران على الساحة الدولية وتجلى ذلك من خلال تصريحات المسؤولين الإيرانيين في الكثير من المرات، من بينهم الرئيس حسن روحاني نفسه، بالالتفاف “بفخر” على قيود الولايات المتحدة مهما كانت التكاليف.

وإلى جانب تجارة النفط مع فنزويلا أو فتح مسارات تجارية جديدة مع دول آسيا الوسطى تظهر الكثير من المؤشرات، التي تسوقها التقارير الاستخبارية أو التقارير الإعلامية الغربية بين الفينة والأخرى عن أن تجارة المخدرات تعد إحدى أهم الأدوات بيد إيران للالتفاف على العقوبات الأميركية، وتحصيل عوائد مالية تواجه بها أزماتها.

ولكن ما يثير الانتباه هو عدم تقدم الولايات المتحدة برد على الاتهامات الإيرانية حول الانتقادات التي ساقها رئيس شرطة مكافحة المخدرات في إيران مجيد كريمي، حينما ألمح في تصريحات نقلتها وكالة “إرنا” المحلية مؤخرا بأن إنتاج المخدرات في أفغانستان تضاعف منذ دخول الأميركيين إلى هذا البلد قبل 19 عاما.

تشتيت الانتباه

تقوم السياسة الإيرانية تجاه الأميركيين في العادة على الاستفزاز، ويبدو أن تصريحات كريمي لم تخرج عن هذا السياق، بهدف تشتيت الانتباه عن أعمال بلده “السرية”، ولكن على الرغم من ذلك فإنه يعتبر موقفا مفهوما للمراقبين، لأن قضية تجارة المخدرات تشكل على الأرجح هاجسا للغرب لتقويض مخططات طهران لامتلاك أسلحة متطورة.

وفي تصريحات لا تعتبر جديدة عن النظام الإيراني، رد روحاني على دخول المجموعة الثانية من العقوبات الأميركية حيّز التنفيذ، قبل أشهر بأن بلاده “ستلتف بفخر” على العقوبات الأميركية التي تستهدف قطاعي النفط والمال الحيويين في البلاد. ولكن كيف توظف إيران إمكانياتها لتحقيق غاياتها؟

لقد تجاوز سقف تنازلات الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما من أجل تمرير الاتفاق النووي مع إيران قبل خمس سنوات حدود التغاضي عن السياسات الإيرانية في الشرق الأوسط ليطال تهديد العمق الأميركي، الأمر الذي جعل الإيرانيين يتمادون في مهاجمة إدارة الرئيس ترامب واستخدام أساليب “قذرة” من أجل المال.

ترامب لديه إصرار عكس أوباما على معاقبة النظام الإيراني حتى ولو لم يركز على قضية متاجرته بالمخدرات

وكشفت تحقيقات نشرت بعض تفاصيلها مجلة “بوليتكو” قبل ثلاث سنوات، أن إدارة أوباما ومن أجل الوصول إلى اتفاق مع إيران حول ملفها النووي تخلت عن عزمها شن حملة طموحة ضمن مشروع “كاسندرا” لإنفاذ قانون يستهدف تهريب المخدرات من قبل حزب الله المدعوم من إيران، بالرغم من أن الأدلة كشفت عن تورط الحزب في عمليات تهريب كوكايين إلى الولايات المتحدة نفسها.

وكان مشروع كاساندرا جمع سنة 2008 أدلة عن أن حزب الله حوّل نفسه من منظمة عسكرية وسياسية مركزة في الشرق الأوسط إلى مافيا ناشطة في مجال الجريمة الدولية، حيث يعتقد بعض المحققين أنه يجمع مليار دولار كل عام من تجارة المخدرات والاتجار بالأسلحة وغسيل الأموال، وغير ذلك من الأنشطة الإجرامية.

ويقول كريمي إنه رغم تواجد القوات الغربية في أفغانستان منذ عام 2001، فإن كمية إنتاج المخدرات وزراعة الخشخاش لم تنخفض ولم تتم السيطرة عليها، بل زادت بمقدار 50 ضعفا، متسائلا ما هو دور المجتمع الدولي في مكافحة المخدرات، وما هي الإجراءات التي تم اتخاذها في هذا المجال؟

وأوضح أن العديد من الدول تتواجد في أفغانستان وتعمل في مكافحة الإرهاب والمخدرات في البلد، في إشارة إلى الولايات المتحدة التي لم تتمكن من ذلك، واستند في كلامه على رقم نشرته الأمم المتحدة يشير إلى أن إنتاج المخدرات تضاعف خمسين مرة منذ 2001 وقد بلغ الإنتاج في أفغانستان حوالي 12 ألف طنا سنويا.

وأشارت الأمم المتحدة بصفتها إحدى المنظمات الدولية إلى أنه في العام 2017 بلغ إنتاج المخدرات في أفغانستان حوالي 10 آلاف طن تم تهريب جزء كبير منها إلى دول العالم، بما في ذلك إيران.

ورقة مساومة

تبقى السياسة الأميركية في الشرق الأوسط أسوأ إخفاقات إدارة أوباما، وبسببها أشرفت الولايات المتحدة على تفكيك منطقة الشرق الأوسط وصعود تنظيم داعش المتطرف، الذي طالت هجماته العمق الأميركي، ولكن الرئيس ترامب، على عكس سلفه، مصرّ على معاقبة إيران حتى ولو لم يركز على هذه القضية الآن حتى تكون ورقة للمساومة مستقبلا.

ويبدو أن نقل المخدرات عبر إيران كان ولا يزال آمنا للمهرّبين كونه تحت أنظار السلطات. ورغم القوانين والتشريعات في مكافحة هذه التجارة والعصابات التي تنشط فيها فإن الشرطة والقضاء لا يعملان بجدية مع هؤلاء الأشخاص بسبب الفوائد الاقتصادية لنقل المخدرات.

ويؤكد مراقبون لتحركات تلك الشحنات أن انتشار المخدرات وتوفرها بشكل كبير في إيران، التي تمثل إلى جانب أفغانستان وباكستان المثلث الذهبي لتجارة المخدرات، ساعدها خلال السنوات الأخيرة على تحصيل المليارات من الدولارات مكنتها على الأرجح من تعزيز ترسانتها العسكرية.

طهران توفر شبكة سرية لتهريب المخدرات من أفغانستان وباكستان وحتى ميناء اللاذقية تحت إشراف الحرس الثوري

وفي تغريدة نشرها الكاتب السعودي ماهر محمد البواردي في حسابه على موقع تويتر اطلعت عليها “العرب”، قال فيها إن “أكبر منتج وموزع للمخدرات بأنواعها في الشرق الأوسط هي إيران”، مشيرا إلى أن عائداتها من المخدرات تفوق العشرين مليار دولار سنويا ويشرف الحرس الثوري على إدارة عملياتها.

وربما يكون هذا التصريح جزءا بسيطا من تقارير استخباراتية وإعلامية ذكرت أن إيران تستخدم نفوذها في العراق من أجل تصدير المخدرات إلى دول الجوار وخاصة دول الخليج العربي ولبنان وسوريا، وبقية دول العالم.

وتشير بعض التحليلات إلى أن ذلك الوضع جعل إيران تتحول إلى عاصمة ومركز للتهريب على مستوى العالم، فهي تربط بين مزارع الإنتاج في أفغانستان وأسواق الاستهلاك في الدول الأخرى، كونها توجد على طريق التهريب الرئيسية للخشخاش، الممتد من أفغانستان إلى أوروبا الغربية كما أن 95 في المئة من مادة الهيروين تأتي من أذربيجان.

وما يقيم الحجة الدامغة على أن طهران تتاجر بالمخدرات هو أن السلطات الرومانية أعلنت قبل أسابيع أنها ضبطت شحنة تضمنت 1.5 طن من الحشيش ونحو 750 كلغ من حبوب الكابتغون قادمة من ميناء اللاذقية في سوريا والخاضع لسيطرة قوات بشار الأسد والميليشيات الإيرانية التي تساند دمشق.

وفي شهر يوليو الماضي، صادرت الشرطة الإيطالية شحنة مخدرات تحوي 84 مليون قرص أمفيتامين قادمة من مناطق سيطرة نظام الأسد. وأكد تحقيق لمجلة “دير شبيغل” الألمانية أن حزب الله اللبناني يساهم في تنشيط هذه التجارة خاصة أن إيران هي من يستأجر ميناء اللاذقية.