//Put this in the section

“إسرائيل – أميركا” و”الحزب – إيران” يستخدمان “الترسيم” لمصالحهما؟

سركيس نعوم – النهار

أظهر أو بالأحرى أثبت تحويل إسرائيل ومصر والأردن وقبرص واليونان وايطاليا اتفاقها النفطي والغازي في شرق البحر المتوسّط الذي ينصّ على التعاون التام في كل ما يتعلّق بهاتين السلعتين الحيويّتين للعالم إلى منظّمة دوليّة، كما على إنشاء أنبوب ينقل الغاز منها إلى أوروبا، أظهر بل أثبت أنّ ترسيم الحدود البحريّة مع لبنان ضروري جدّاً لإسرائيل لأسباب عدَّة. أهمّها أن الحجم الكبير لثروتها الغازيّة موجود في بحرها الشمالي ومحاذٍ لـ”البحر الجنوبي” للبنان حيث يكمن الغاز وبكميّات كبيرة جدّاً وربّما مُتداخل معه. هذا أمر لا يمكن تساهل الدولتين المُتعاديتين منذ عام 1948 حياله نظراً إلى اختلافهما على الحدود البحريّة التي تفصل بينهما في تلك المنطقة من البحر الأبيض المتوسّط، وتحديداً على “البلوك اللبناني” رقم 9. إذ تعتبر كلٌّ من حكومتي الدولتين أنّ لها حقّاً فيه يُراوح بين نيِّف و800 كيلومتر مربّع و1500. يعني ذلك أنّ شراكة إسرائيل في أنبوب نقل غازها مع الدول المذكورة أعلاه لا يُمكن أن تُنفّذ عمليّاً ما لم يتمّ ترسيم الحدود البحريّة بينها وبين لبنان. هذا الأمر لم يحصل حتّى الآن رغم المساعي التي بذلتها الولايات المتّحدة منذ أعوام عدّة، رغم توصُّل موفدها الأوّل لتنفيذ هذه المهمّة فريدريك هوف إلى اتفاق “عادل” يُعطي لبنان 55 في المئة من المساحة البحريّة المُتنازع عليها وإسرائيل 45 في المئة. رغم قبول الأخيرة هذه القسمة وإن على مضض فإنّها طلبت منه عدم إعلان موافقتها قبل حصوله على موافقة حكومة لبنان. وهو عجز عن الحصول عليها رغم أنّ محادثاته التمهيديّة المباشرة مع المسؤولين اللبنانيّين “المُغطّاة” من المسؤولين غير الرسميّين أي أصحاب الفاعليّة الأكبر كانت تعد بالخير. لا يستطيع أحد حتّى الآن أن يُثبت مسؤوليّة أي من الدولتين أي إسرائيل من جهة ولبنان بـ”حزب الله” الأقوى فيه وبرعايته الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة التي تُنفِّذ أجندتها واستراتيجيّتها في لبنان عن “إخفاق” مساعي هوف. فالطريقة التي استقال بها الأخير من موقعه في وزارة خارجيّة بلاده تُشير إلى أنّ عدم الرضى الفعلي لإسرائيل على القسمة التي توصَّل إليها هو الذي عطَّل الترسيم. وخلف هوف أي آموس أوكشتاين التي انتدبته الخارجيّة الأميركيّة لإكمال مساعي ترسيم الحدود أخفق في ذلك، لا لأنَّه عجز عن إقناع إسرائيل ولبنان بدعمه وتسهيل مهمّته، بل لأنَّه لم يبذل جهداً لتنفيذها، بدليل أنّه عندما استقال لم يترك في ملف الترسيم أي ورقة تُشير إلى جهود بذلها. هذه الحقيقة الموثوقة تدل على أنّ الولايات المتّحدة لم تكن مُتحمّسة وقتها للترسيم لأنّ إسرائيل حليفتها الاستراتيجيّة الأولى في الشرق الأوسط لم تكن مُستعجلة لذلك. كما أنّ عدم دعم “حزب الله” الجهود التي بذلها في سبيل الترسيم رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي يُشير الى أنّ راعيته إيران لم تكن مُتحمّسة لذلك.




هل تُساعد الرغبة الإسرائيلية الحاليّة في ترسيم الحدود البحريّة مع لبنان؟ وهل هناك رغبة لبنانيّة في الترسيم خلفها “حزب الله” وخلفه طهران؟

المعلومات الموثوقة المُتوافرة عن هذا الأمر تُشير وبكل ثقة إلى أنّ الذين تسلَّموا ملف الترسيم عمليّاً في الخارجيّة الأميركيّة بعد وقت طويل من تخلّي آموس أوكشتاين عنه، أي السفير الآن في أنقرة ديفيد ساترفيلد ومُساعد وزير الخارجيّة الأميركيّة للشؤون السياسيّة ديفيد هيل وأحياناً مُساعده لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شنكر تُشير إلى أنّ هؤلاء أنجزوا اتفاق ترسيم بعد جهود مُضنية بالتعاون مع المسؤولين اللبنانيّين “المُنتدبين” والإسرائيليّين، وكان ذلك في العشرين من شهر تموز الماضي.

وتُشير أيضاً إلى أنّه ومنذ ذلك التاريخ على طاولة رئيس الوزراء نتنياهو كما هو على طاولة المسؤولين في “دول لبنان الثلاث” أو بالأخرى رؤسائها. كما أنّه على طاولة “حزب الله” زعيم الدولة غير الرسميّة الرابعة ذات النفوذ الواسع والقوي على الثلاث المذكورة. وتُشير أخيراً إلى أنّ وجوده على طاولته يدلُّ على أنّها في الوقت نفسه على طاولة المسؤولين بل المرجعيّات الكبيرة في إيران. لم يكن ينقص سوى اتفاق الدولتين أي لبنان وإسرائيل عبر واشنطن على موعد إعلان الاتفاق، ثمّ على البحث في تفاصيل تطبيقه خصوصاً أنّه يتضمّن أيضاً ترسيماً للحدود البريّة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركا وتحت علم الأمم المتّحدة. لكن ما نُشر من معلومات ومُعطيات موثوقة في لبنان عن أنّ ما تمّ التوصُّل إليه هو “اتفاق إطار” للبحث في جوهر الترسيم والتوصُّل إلى تسوية جرّاء خلاف بين لبنان وإسرائيل عليه، يختلف عن معلومات رسميّة سابقة لم تُعلن رسميّاً لكنّها تسرّبت إلى وسائل الإعلام ومن لبنان عن اتفاق مُنجز. يدلُّ ذلك ربّما على تراجع إيران وحليفها اللبناني الأقوى ليس عن الاتفاق بل عن السرعة في إعلانه رسميّاً وبدء محادثات تطبيقه تحت علم الأمم المتحدة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما سبب التراجع المذكور؟ الجواب التحليلي عنه يُفيد أنّ إيران لا تُريد إعطاء نصر إقليمي بحريّ وبريّ لإسرائيل في لبنان، من شأنه بعد انتصارات سابقة أمّنتها لها أميركا (الإعتراف بإسرائيليّة الجولان ونقل السفارة الأميركيّة إلى القدس و”صفقة القرن” واتفاقا التطبيع بين إسرائيل ومملكة والبحرين ودولة الإمارات العربيّة المتّحدة)، من شأنه زيادة حظوظ رئيس أميركا ترامب للفوز بولاية رئاسيّة ثانية بعد أقلّ من شهرين. وهو يحتاج إلى هذه الحظوظ لأنّ حملته الانتخابيّة تُواجه عقبات كبيرة وإن غير حاسمة نهائيّاً حتّى الآن داخل بلاده. وهي أي إيران ليست قطعاً في وارد تشغيل إعادة انتخابه، لا بل تعمل وبجهد كبير للإسهام في خسارته، وذلك من أجل إفهام أعدائها في أميركا والمنطقة أنّها قادرة مثل الدول الكبرى على معاقبته، أو على الاشتراك في معاقبته جرّاء سلبيّته الشديدة حيالها و”إسرافه” في فرض عقوبات عليها ألحقت بها أذى كبيراً. لكن ما تجدر الإشارة إليه هنا هو أنّ إسرائيل ليست ملاكاً وهي المُحتاجة الآن أكثر من السابق إلى ترسيم الحدود البحريّة للسبب المذكور أعلاه، وكذلك ترامب الذي قد تدفعه “غرائزه” إلى الاستعاضة عن الربح الذي يؤمِّنه له الترسيم بربح آخر يؤمّنه له عمل عسكريّ إسرائيلي كبير، ولكن محدود ضدّ “حزب الله” ولبنان فعليّاً وضدّ إيران ضمناً.