//Put this in the section

هل خلع نبيه برّي عباءته؟

غسان الحجار – النهار

… أمّا قول الرئيس نبيه برّي بأنّه يخضع لضغوط كبيرة للتمسّك بتولّي وزير شيعي حقيبة المال، وتسميته الوزراء الشيعة الآخرين في الحكومة، وفق ما نقل عنه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، فليس سوى اعتراف واضح وصريح بعدم الرضا “البرّي” عن مسار الأحداث والتطوّرات التي أفقدته الدور الذي طالما اضطلع به وميّزه، بل جعله في مرتبة الحَكَم، والمدخل إلى الحوار والتلاقي، والنقطة الجامعة بين اللبنانيّين.
وسواء اعترف له البعض بهذا الدور أو لم يعترف، فإن برّي، بحنكته ودهائه السياسي، وانسجامه الظاهر مع النهج الذي خطّه الإمام موسى الصدر، تمكّن من أن يحجز لنفسه مكاناً ومكانة على طاولة كبار الشخصيّات اللبنانيّة التي يشهد لها التاريخ.
فقد أمسك بمجلس النوّاب، لا بقوّة الشارع التي يملكها، بل بقدرته على ابتداع الحلول، والمخارج القانونيّة وتبوّأ منصب الجامع للأطراف المُتناقضة، حتّى مُعارضي سياساته يلجأون إليه ساعة الشدّة.
الرئيس برّي اليوم، غير ما كان عليه بالأمس. والوضع المستجدّ الناشئ لا يُريحه بالطبع، كما لا يريح حلفاءه وخصومه أيضاً.
في العام 2006، ابتدع طاولة الحوار في لحظة حرجة، كان فيها رئيس الجمهوريّة آنذاك إميل لحود، “أعجز” من التحدُّث إلى أكثر الأطراف. ثمّ رعى حوار “حزب الله” و”المستقبل” في مقرّ إقامته في عين التينة لسحب فتيل التصادم المذهبي بين السُنّة والشيعة، لأنّه تصادم مُدمِّر للبلد. وفي العام 2011 أقنع شريكه “حزب الله” بالتخلّي عن مقعد وزاري شيعيّ لمصلحة فيصل كرامي، مُنقذاً التشكيلة الحكوميّة من التعثُّر.
نبيه برّي الأمس، ليس هو في 2020. ربّما سقط في المستنقع المذهبي، أو كما عبَّر، يخضع لضغوط كبيرة في هذا المجال من الطرف الآخر في “الثنائي” غير القابل للانقسام المدمِّر لقوّة هذا الثنائي، وللرئيس برّي والحركة التي يرأسها تحديداً.
في العام 2016 صدر كلام مماثل عن الرئيس بري والوزير علي حسن خليل يرفضان فيه العودة الى ثنائية ميثاق العام 1943، لكنه لم يتخذ البُعد المذهبي الضيق كما اليوم، بل ردة فعل على اتفاق سياسي لم يؤخذ برأيه ولم يوضع في اجوائه قبل اعلانه.
يُدرك برّي جيّداً، ومعه الحزب، أن الأخير فشل باستمرار في “تسييل” انتصاراته العسكريّة في السياسة الداخليّة. ورغم كل محاولات “الاستيلاء” على القرار، فإنّه فشل فشلاً ذريعاً يزداد بروزاً حاليّاً مع “تفكّك” أوصال “تفاهم مار مخايل”، وعجز الحلفاء الآخرين المسيحيّين والسُنّة عن توفير الغطاء له في ظلّ التضييق والحصار الدوليّين.
يستعجل برّي الحل عبر مخرج معقول للتركيبة الحكوميّة المقبلة، لأنّه يُراقب الغرق الذي يتخبّط فيه الحزب، ولا يرى سبباً لأن يُجاريه اليوم، بعدما تميّز عنه سابقاً.
ولا ينظر راعي الحوارات المُتعدِّدة إلى نفسه، طرفاً طائفيّاً مذهبيّاً، يصفّي تاريخه، ودوره، شالحاً عباءته، ومنقاداً إلى حسابات، أكثرها خارجيّ، لا علاقة له بها.
من هنا، لا يزال برّي يبحث عن مسارب للحلّ، ويدفع باتّجاهها، رغم تصلُّبه الظاهر، لأنَّه الأكثر واقعيَّة، وصاحب النظرة الثاقبة إلى مستقبل لبنان انطلاقاً من تاريخه القريب الذي لم يتعلَّم منه كثيرون الشيء القليل لتخطّي المرحلة الصعبة.