//Put this in the section

الحريري… شجاعة الخسارة!

نبيل بومنصف – النهار

خلافا للكثير من الانطباعات التي خلفتها الخطوة التنازلية للرئيس سعد الحريري لتسهيل تشكيل حكومة مصطفى اديب لجهة طغيان حسابات الخسارة الحريرية التي حسمها الحريري بنفسه أساسا، تظهر الزوايا العميقة لدى الثنائي الشيعي وكذلك العهد العوني اننا امام رزمة قوى داخلية كبيرة تتسابق الى الخسائر. لا ندري بعد الى اين ستودي سلاسل الكوارث المتلاحقة التي تطبق على لبنان بمجمل الطبقة السياسية الراهنة التي لم يسبق في تاريخ لبنان وحتى الحربي منه ان تعرضت فيه طبقة سياسية لما تتعرض له الطبقة الحالية. ولم نعد نجرؤ طبعا على الرهان على انتفاضة تبدو جذوتها وكأنها خبت تماما وأسقطت ما ينادي به العالم الخارجي الداعم للبنان على اسمها فيما هي باتت شبه آفلة. ومع ذلك تكفي الدلالات التي اطلقتها آخر خلجات أزمة تأليف الحكومة وبصرف النظر عما يمكن ان تحمله الأيام المقبلة لقراءة طبيعة الأضرار الفادحة والعميقة في أوضاع القوى الداخلية التي يتذاكى معظمها بغباء ان ظن ان معايير القوة المتقادمة لا تزال تنفع في ستر واقعها المتآكل. في معايير الصراع الداخلي شكل التنازل الأخير للرئيس سعد الحريري استعادة صادمة طبعا للتراجع امام تسلط “حزب الله” الذي يطبع سياساته وسلوكياته بالتهويل الدائم بميزان التفوق المسلح. كما شكل استعادة ولو اقل حجما لتجربة التسوية الرئاسية التي انتهت بانهيار دراماتيكي. ومع ذلك كان للرئيس الحريري الشجاعة التي يتعين الاعتراف له بها بانه يوظف تكرارا تراكم الخسائر التي ترتد عليه في محاولات انقاذية مؤلمة على حسابه دوما.




وبصرف النظر عما ستؤول اليه خطوته سواء بفتح الطريق امام الولادة الحكومية او بالتحول ضربة سيف في المياه فان ثمة ما بات يستدعي التعمق في الدوافع الداخلية الصرفة لعدم ركون الثنائي الشيعي الى تحالفاته بل والتصرف مع حلفائه كما حيال الخصوم. حتى مع الاحتمال الأكبر لطغيان البعد الإقليمي المتصل بسطوة ايران على الفريق الشيعي لا يمكن تجاهل سعي هذا الفريق بكل ما يملك من وسائل الضغط والتعطيل الى نوع جديد من ضمانات تتجاوز الحق الدستوري وكأن كل ثقته بتحالفاته الداخلية السابقة قد انهارت. هذا المعطى يكشف واقعيا تراجعا كبيرا لم يكن قائما في أي من تجارب الاستحقاقات الدستورية السابقة بما يساوي الفريق الشيعي بالآخرين ان لم يضعه في مقدم الخاسرين لانه مسؤول عن أسوأ ما قام به فريق لبناني آخر في نمط سياسات الاستقواء بموازين القوى. واذا كان الحزب خصوصا وليس “حركة امل” اتكأ منذ عام 2006 تحديدا على الغطاء المسيحي الذي “لا يخرق” لحليفه في تفاهم مار مخايل وفرض أسوأ تجارب التعطيل لإيصاله الى قصر بعبدا ترانا الآن نتساءل بماذا ينبئ العناد المتحكم بشروط الثنائي حيال تسمية الوزراء الشيعة وتطويب المال للطائفة غير تهاوي أسطورة الضمان الذي كان يشكله العماد ميشال عون للحزب الحليف زعيما لتياره ومن ثم رئيسا للجمهورية ؟

على مشارف السنة الخامسة من ولايته في نهاية تشرين الأول المقبل تستعصي حالة العهد القوي على معجم الكوارث الى حدود إعادة النظر جذريا لدى جميع من صدقوا وآمنوا بأسطورة القوة هذه. ولا تزال المكابرة إياها تلفح الرؤوس الحامية التي لا ترى تصدر العهد سباق “الخاسرين العمالقة” بدون منازع!