//Put this in the section

استراحة من فساد الدولة، فماذا عن فساد الشعب؟ – كاتيا سعد – باريس

يضحكني كل من يفتح فاهه استنكاراً لفساد الطبقة السياسية ؛ كل من يناضل وراء حساباته الإلكترونية من أجل قضية السلام اللبناني ؛ كل من يرى في إقامة دولة علمانية الحل السحري ؛ كل من يناشد بإزالة سلاح حزب الله ؛ كل من يعيش على أطلال الماضي ومن قضى على من، ومن هرب ومن قتل، وسجلّ الإجرام والحرب والقتل ؛ كل من يزداد عنينه في الجلسات مع الأصدقاء والأقارب، حول الغلاء والوضع “اللي ما بينطاق”..

يضحكني كل ذلك، وسواها من المحطات التي تستوققني بشكل يومي، في يوميات اللبناني الذي يرمي كل شيء على ظهر السلطة وينسى نفسه. فلنعطي هدنة لفساد السلطة، الذي بات مستشرساً وعلى مرأى الجميع، وأمام الصغير قبل الكبير. ولنتحدث قليلا عن فساد الشعب:




لا يسعني إلا البدء “باللألألة” (كلام القليل والقال) على وسائل التواصل الاجتماعي خاصة على تويتر، على نموذج “بيّ أقوى من بيك”، و”إمي احسن من امك”، و”خي أشرف من خيك”، و”صاحبي مهضوم أكثر من صاحبك”، وهذه السلسلة التي تدخلنا في دائرة مفرغة. فلنشغّل عقلنا قليلاً، ماذا ننتظر من “المتحزّب” (سواء منتسباً أم مؤيّداً) سوى أنه سيدافع عن حزبه وعقيدته؟ فلنترك غسيل الدماغ على حدة، فإن لم يقتنع بالتنحّي فلا جدوى من المحاولة، فليبقى على قناعاته.. لماذا نحاول دائما جرّ الشخص إلى ما نريده لا إلى ما هو مقتنع به؟ ولكن المفارقة، هو ذاك الذي تحترم قراره، وهو يفعل العكس. أليس ذلك بفساد فكري؟!
ولننتقل في ما بعد إلى الوسط الإعلامي، المكتوب والمرئي والمسموع: عندما لا يحترم المتلقي المادة التي تُقدّم إليه، ويحاول تخوين مصدرها. ويبتدي الكلام الشعري “فلان تاج راسك”، و”فلان هو الأمل من أجل مستقبل أفضل”.. والكلمات المبتذلة “هذا صرمايتو بتسواك”، و”ذاك ما بنزل لمستواك بالردّ”.. ناهيك بالتأكيد عن امتناع استقبال الضيف بسبب فكره السياسي، وتعارض مواقفه مع سياسة المحطة أو توجهاتها. أليس ذلك بفساد أخلاقي؟

أما في صفوف المواطنين وحياتهم اليومية، البعيدة عن الأنظار، فهنا حدّث ولا حرج. ولنستعرض بعض مظاهر الفساد المجتمعي:

على صعيد “الواسطة”: كيف يمكن لصاحب شركة أو مؤسسة، أن يقنعني باستراتجية اختيار الشخص المناسب بالمكان المناسب، وهو يختار صاحب التوصية على حساب صاحب الشهادة والخبرة؟ أو أي منطق يمكن أن يشرح لي كيف للمتخرّج حديثاً أن يبني له سنوات خبرة، وهو ما تطلبه معظم المؤسسات، وهو غالباً ما يتمّ رفض طلب توظيفه لعدم توفّر الخبرة، دعوه يبدأ من مكان ما.

على صعيد نمط الحياة: كيف سنبرّر “الأنين والعنين” على الغلاء المعيشي، في ظل أزمة لبنان، وبالمقابل حفلات السهر والأعراس وأعياد الميلاد في أوجها؟ أتعاطف مع حجّتهم “إنو ما فينا نضل هيك، بدنا نغيّر جوّ”.. حسناً، ولكن تغيير الجوّ يكون بالمعقول، وليس بالمظاهر والprestige.

على صعيد التقدّم المجتمعي: هل يمكن أن نشهد على التطوّر، ونحن ما نزال في زمن يبرّر جرائم الشرف؟ يحاول إيجاد حلول لتغطية جرائم الاغتصاب؟ أين نحن من شبكات عمالة الأطفال؟ وكيف لنا أن ننسى “حشو” رأس الفتاة بأهمية العذرية، وارتباطها بمفهوم “بنت بيت”: وهنا فلنشهد على العجائب والغرائب في تعاطي بعض الفتيات مع الموضوع، والعقد النفسية، وسجلاّت الطلاق الناتجة عن المشاكل الجنسية، التعنيف الزوجي.. لم لا نستبدل سياسة الترهيب تلك، بأن نفتح الآفاق نحو التربية الجنسية؟

اليوم، ثمة استراحة من فساد السياسة، على حساب فساد فئة من الشعب. هذه المنظومة المسماة دولة، هي مزيج من السلطة والشعب. متى اغتُصِبت حقوق المواطن على يد السلطة، وانهارت قِيم المجتمع على يد الشعب، هنا يدخل الوطن مرحلة الاحتضار. استيقظوا، فالأوان على وشك أن يفوت!!