//Put this in the section

البلطجة الدستورية تنتصر

علي حمادة – النهار

بصرف النظر عن مآل مبادرة الرئيس سعد الحريري التي قدمها تحت شعار “تجرّع السُّم” مرة جديدة، واحتمال قيام الحكومة المنتظرة من الجميع في لبنان، وفرنسا، وبصرف النظر عن الكلام “المشجع” الذي صدر عن رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي نُقل عنه خلال “لقاء الأربعاء” النيابي قوله “ما بقا فينا نتحمل”، في إشارة الى انه (أقله بري) يريد ان يبني على مبادرة الحريري التي تنازل فيها عمليا عن مبدأ المداورة، وإن يكن أرفقها بشرط “لمرة واحدة وأخيرة”…




يمكن القول ان القطار الحكومي قد يقلع بعدما “نجح” الفرنسيون، وتحديداً الرئيس ايمانويل ماكرون، بالخضوع لـ”بلطجة” “حزب الله” وحركة “امل” على الدستور والتوازنات، ناقلاً ضغوطه من جبهة “ثنائي التعطيل” المستتبع للخارج الى جبهة المتمسكين بالنصوص الدستورية، والرافضين ان يتم تغيير النظام تحت سطوة السلاح، على قاعدة ان من الاسهل على باريس ان تحشر كل اللبنانيين الذين تمسّكوا بقوة وصلابة بمبدأ المداورة رغماً عن أنف “ثنائي التعطيل”، ودافعوا عن روح المبادرة الفرنسية بتصميم كبير، من إغضاب “حزب الله” ومن يقف خلفه في الإقليم لأسباب تتعدى الواقع اللبناني الداخلي. وفي المناسبة لا بأس من “لبننة” المبادرة الفرنسية، من خلال “مودرة” قاعدتها الأساسية التي تقوم على مبدأ قيام “حكومة مهمة” مؤلفة من اختصاصيين مستقلين غير حزبيين، يختارهم رئيس الوزراء المكلف. هذا المبدأ سقط في باريس، وحصل ضغط في المكان الخطأ على نادي رؤساء الحكومات، وتحديداً على سعد الحريري الذي لاقى الالحاح الفرنسي بالتنازل بصفة شخصية عن أهم مبدأ دافع عنه منذ اليوم الأول لبدء عملية تشكيل الحكومة، أي المداورة، ورفض الخضوع لابتزاز الثنائي الراغب في تكريس اعراف دخيلة على الدستور.

ومع ذلك رضي القتيل ولم يرضَ القاتل! فالموقف المتباطئ بل الفوقي الذي يمارسه “حزب الله” إزاء التنازل الكبير، والمكلف جدا للحريري (حتى لو تشكلت الحكومة) يفيدنا ان سياسة التنازل، وإن تكن في إطار التسويات الضرورية في العمل السياسي، لا يمكن ان تصير قاعدة دائمة مع حالة شاذة كحالة “حزب الله” الذي ذكَّر اللبنانيين البارحة، بعد انفجار مخزن لسلاحه غير الشرعي في قرية عين قانا الجنوبية، بإمساك ميليشياه بالأرض بدلا من الأجهزة الأمنية الرسمية والجيش، وهذا يفسر الى حد بعيد هذا الميل الدائم الى البلطجة على كل المستويات. فلا دولة، ولا مؤسسات، ولا دستور امام ماكينة “حزب الله” التي نجحت في “لبننة ” المبادرة الفرنسية وافراغها من الداخل. فبعد ازمة وزارة المال، واستطراداً إشكالية اختيار جميع الوزراء الشيعة (وإن بإخراج يحفظ الشكليات)، تبرز إشكالية “استقلالية” الوزراء وفق ما نصت عليه المبادرة الفرنسية، ولا سيما ان كل الأطراف السياسيين مستعدون للانقضاض على عملية اختيار الوزراء، بدءا من رئيس الجمهورية وحاشيته، وصولاً الى آخر حزب راغب في المشاركة! فأين سيصير مبدأ استقلالية الوزراء، ومن خلالها الحكومة؟

هذا سؤال مطروح برسم الفرنسيين الذين ظلوا يوما بعد يوم يدخلون تعديلات على المبادرة، فأضعفوها كثيرا، واغرقوها في وحول الاستغلال السياسي الضيّق في لبنان، وعندما اضطروا قاموا بالضغط على الجهة المتمسكة بالاصول، وبالنصوص، وبالدستور، مانحين أسلوب “البلطجة” فرصة ليس لكسب المواجهة اليوم، وإنما لتكريس أعراف دخيلة على الدستور بصفة الدائم الذي سيكون معه من المستحيل إعادة عقارب الساعة الى الوراء. تنازل سعد الحريري مرة جديدة هو انعكاس للتنازل الفرنسي امام بلطجة “ثنائي التعطيل”. لكن السؤال المطروح: كم سيكلف التنازل الجديد؟ لننتظر ونرَ…