//Put this in the section

… وعون ليس بريئاً من ‘جهنم’!

علي حمادة – النهار

من استمع الى كلام رئيس الجمهورية ميشال عون اول من امس في الندوة الصحافية التي عقدها في القصر الجمهوري في بعبدا، رأى أمامه رئيساً يعكس العجز عن المبادرة الخلّاقة، كما يعكس حالة المسؤول الذي تجاوزته الاحداث بشكل كامل، ولم يبقَ امامه سوى ان ينقذ ما امكن إنقاذه – كما يقال – من “أثاث المنزل”. فالرجل الذي انتُخب تحت شعار “الرئيس القوي” والذي يمثّل المصالحة الوطنية، فضلاً عن الرئيس الذي من خلال وصوله الى سدة الرئاسة سيمنح لبنان فرصة لإعادة الانطلاق اقتصاديا، ويمنع انهيار الدولة ومؤسساتها، حصل في اقل من ثلاثة أعوام من ولايته ان البلاد انهارت تماما، والمصالحات لم تحصل، اللهمّ سوى شكلاً تحت تهديد “المسدس” الذي وضعه “حزب الله” على طاولة التفاهمات الداخلية، وانصاعت له الأكثرية إما تواطؤاً، وإما استسلاماً.




في النتيجة وصلت البلاد في عهد “الرئيس القوي” ومحصّل حقوق المسيحيين المسلوبة، كما دأبت الماكينة الدعائية لتياره على زعمه ليلا نهارا، الى الانفجار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وتجلت حالة الاهتراء الكاملة مع الانفجار الفاجعة في الرابع من آب الفائت، حيث اكتشف اللبنانيون حجم الكارثة الناجمة إما عن سوء الإدارة والتدبير، وإما عن الاستسلام الكامل للسلاح غير الشرعي الذي نخر المؤسسات واستتبع معظم القيادات بأسلوب العصا والجزرة. وأخطر ما في الواقع الذي بلغته البلاد، ان الانحدار لم يتوقف لا في السابع عشر من تشرين الأول 2019، ولا حتى في الرابع من آب 2020، بل استمر حتى الى ما بعد اطلاق الفرنسيين بقيادة الرئيس ايمانويل ماكرون مبادرة انقاذية لم يتلقّفها المستوى السياسي اللبناني، لا بل ان القوى الأساسية ظلت تلعب اللعبة وفق قواعد قديمة سابقة للانهيار، وكأن شيئاً لم يحصل.

لا شك في ان الموقف الذي تمسّك به “الثنائي الشيعي” “حزب الله” وحركة “أمل”، ما كان مقنِعاً لجهة محاولة فرض اعراف غير منطقية، خارجة على الدستور في محاولة لمصادرة وزارة المال بشكل نهائي. ولا شك في أن إدارة نادي رؤساء الحكومات السابقين كانت ضعيفة في ملاقاة المبادرة الفرنسية بذكاء اكبر. ولكن الصحيح أيضا ان عون الذي بدا يوم الاثنين في ندوته الصحافية اشبه بمراقب غريب عما يحصل، يحاول ان يمشي بين “حبّات المطر” فيوزع المسؤوليات على طرفين متعارضين، فيما هو يفكر أولاً بمصير العائلة التي أخافتها احتمالات تعرّض افراد منها ومن الحاشية المقربة اليها لعقوبات أميركية من شأنها لو سقطت فوق رؤوسهم ان تنهي “حلم” التنعم بحياة بورجوازية في العالم الفسيح! واذا كان “المراقب” ميشال عون حاول التمايز قليلاً عن “حزب الله” حماية للأهل في ما بعد، فإن تمايزه بقي خجولاً جداً، وإن نجح في اجتياز اختبار اول، في سلسلة الاختبارات التي ستليه في مسيرة الخروج من تحالف مكلف مع تنظيم صار عبئا ثقيلا حتى على رئيس الجمهورية الذي يعتبره بعض قادة “حزب الله” العبء الذي كان على الحزب ان يقاتل من اجل عدم اسقاطه في الشارع بعد اندلاع “ثورة 17 تشرين”، ثم بعد الانفجار الفاجعة الذي احرق معظم مراكب عون والحاشية في الوسط المسيحي، فخرج عهد “الرئيس القوي”، ويا للأسف، من ضمير اللبنانيين، و ما بقي منه سياسيا ومعنويا سوى صوَر معلقة على جدران الدوائر الرسمية، وتوقيع رسمي يصعب صرفه في أسوأ ازمة يمر بها لبنان منذ تأسيس الكيان قبل مئة عام. ومع ذلك بدا عون الذي وزع المسؤوليات على الأطراف المتعارضين في مسألة الحكومة، واضعا نفسه خارج المسؤولية، فيما هو كان يقرأ في كتاب آخر غير كتاب المبادرة الفرنسية التي دعت الى تشكيل حكومة مهمة مستقلة تماما، وافق عليها الجميع، ثم عاد “الثنائي الشيعي” ليتنصل بقرار يرجَّح انه يتصل بالصراع الإقليمي الحاد والمسافة الزمنية القصيرة التي تفصلنا عن الانتخابات الرئاسية الأميركية. والملاحظة التي لا بد منها هي ان عون يعتبر ان له الحق كرئيس للجمهورية في انتزاع حصة من الحكومة المستقلة التي دعا اليها الرئيس الفرنسي في مبادرته. ومن هنا لا تقل مسؤولية عون في محاولة اغراق المبادرة الفرنسية في زواريب المحاصصة عن مسؤولية الأطراف الآخرين المعنيين.

لقد بدا عون في ندوته حقاً من الماضي، أكان في الشكل أو في المضمون، حائراً لا بل عالقاً بين مطرقة الاميركيين وسندان الإيرانيين. والحقيقة انه عندما تنبأ بدخول لبنان “جهنم” في حال عدم تشكيل الحكومة، انما نسي ان يقول ان اللبنانيين هم بالفعل في قلب “جهنم”، وهو يتحمل المسؤولية كسائر القوى السياسية (وفي المقدمة “حزب الله” والمتواطئون معه) إن لم يكن اكثر بصفة كونه رئيساً للجمهورية.