//Put this in the section

‘تفاهم مار مخايل’ صامد وطرح عون مُنسَّق مع ‘الحزب’!

سركيس نعوم – النهار

المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون في قصر بعبدا أمس دفع الناس إلى التساؤل إذا كان بدأ الابتعاد الرسمي – الإعلامي عن حليفه منذ 14 سنة “حزب الله” بالمواقف من الأزمة الحكوميّة المُستعصية التي أعلنها. وقد عكست ذلك “النهار” في “صدر صفحتها الأولى” وفي “مانشيتها”، وبرّرته بالنقاط الآتية:




1- بدا عون مُدركاً أنّ أي مبادرة أو اقتراح منه لن يُغيِّر حرفاً من الأزمة التي رمى تبعاتها على فريقين هما رؤساء الحكومات السابقين الداعمين للرئيس المُكلَّف و”الثنائي الشيعي”. كما برّأ رسميّاً صفحته (الأفضل بيّضها) ومعها صفحة “التيّار الوطني الحر” الذي أسَّسه والذي يترأّسه صهره الوزير جبران باسيل.

2- تعمّد عون تحميل الفريقين وبالتساوي والتوازن مسؤوليّة الانسداد الحاصل سواء بعدم تشاور الرئيس المُكلّف الدكتور مصطفى أديب مع الكتل النيابيّة أو بإصرار “الثنائي الشيعي” على حقيبة المال كما على تسمية الوزراء الشيعة، وذلك بهدف إظهار صورته حكماً أو استعادة هذه الصورة.

3- محاولة عون تسويق اقتراحه الذي يعرف جيّداً أنّه لن يحظى بموافقة حليفه “حزب الله”، والذي يقضي بتوزيع الحقائب السياديّة على مختلف الطوائف من دون تخصيصها بطوائف مُعيّنة. لكنّه بدا أعجز من أن يُمسك بزمام المبادرة بعد تأخُّره في محاولة استرجاع صورة الحكم المُتوازن. علماً أنّ اقتراحه هو تبنٍّ للاقتراح الذي طرحه “التيّار الوطني الحر” الأسبوع الماضي.

4- الدلالة الأبرز والأهم تمثّلت في ازدياد منسوب التمايز بين عون وحليفه “حزب الله” لتشديده على انتفاء المُبرِّر الدستوري لموقف “الثنائي الشيعي”، وتشديده على العودة إلى التزام الأصول الدستوريّة. ويُرتِّب ذلك تداعيات وتساؤلات عن عمق المشهد الحالي لم تعد خافية على أحد. وقد ذهب بعض المطّلعين إلى إبراز صورة الاعتراض المسيحي الواسع على موقف “الثنائي الشيعي”، بدءاً ببكركي و”القوّات اللبنانيّة” و”الكتائب” مروراً الآن بـ”التيّار الوطني الحر” وأخيراً بموقف رئيس الجمهوريّة. وتساءل هذا البعض: هل بدأ سقوط “تفاهم مار مخايل” بين عون و”الحزب” فعلاً هذه المرّة؟

هل بدأ فعلاً سقوط هذا “التفاهم”؟ السؤال مشروع جدّاً في رأي مُتابعي الوضع اللبناني وخصوصاً العلاقة بين طرفَي “التفاهم” عون و”تيّاره” من جهة و”حزب الله” من جهة أخرى. ذلك أنّ العلاقة التفاهميّة بدأت تحالفاً متيناً ووثيقاً إلى درجة جعلت الكثيرين يعتقدون في لبنان ومحيطه والخارج أنّ الاثنين صارا واحداً. فـ”الحزب” من جهته أعطى عون وتيّاره وصهره الذي لعب دوراً مُهمّاً في مفاوضات التفاهم مع “الحزب” من دون أيِّ حساب في السياسة وغيرها باعتراف الطرفين وبمعرفة “العارفين” بل المُطّلعين جيّداً وبعمق على تطوُّر العلاقة، وعلى المعروف من الأمور التي تدلُّ على عمقها كما على غير المعروف. في حرب تموز 2006 أي عدوان إسرائيل على “الحزب” وعلى لبنان، وكان ذلك بعد نحو ستة أشهر من إعلان “التفاهم”، بدا الإثنان توأمين إذ تضامن عون و”التيّار” مع الحزب مثلما فعل رئيس الجمهوريّة في حينه العماد إميل لحود، وفتح لأبناء بيئته أو شعبه في الجنوب “المنطقة الشرقيّة” التي لجأوا إليها بمنازلها ومدارسها، وهو كان يومها الأقوى شعبيّاً فيها. علماً أنّ الأحزاب والتيّارات المسيحيّة الأخرى كما المواطنين غير المُنتمين إليهم أظهروا تضامناً مماثلاً مع النازحين واستقبلوهم بتفهُّم وترحيب، وإن من دون أن يعني ذلك تغييراً في موقفهم المُعارض لسلاح “الحزب” ولانفراده في تقرير “الحرب والسلام” مع اسرائيل.

وصار لبنانيّون كثيرون يرون على هواتف الخليوي لعدد من العونيّين صورة الأمين العام لـ”الحزب” السيّد حسن نصرالله كلّما “رنّت”، وأحياناً أناشيد له وأهازيج. تحوّل الانسجام بين الفريقين نوعاً من التلاحم برز بقوّة يوم اختلف “الحزب” مع حكومة السنيورة في أعقاب قرارها منعه من مدِّ خطوط “سلاح الإشارة” لديه، ولاحقاً يوم “أدّب” بيروت أو من يؤيّد فيها الحكومة بعملية “عسكريّة” محدودة في 7 أيّار المعروف، ولاحقاً في احتلال وسط بيروت ثمّ تطويق السرايا الحكوميّة من جهات ثلاث. وأصبحا واحداً أو كادا أن يُصبحا كذلك بعد إقدام الحزب على أبقاء كرسي رئاسة الجمهوريّة فارغة سنتين وثمانية أشهر، لأنّه كان يريد “إجلاس” عون عليها وبعد نجاحه في ذلك.
طبعاً بقي “الحلف” مُتماسكاً وإن مع “هنات هيّنات” لكنَّه بدأ يتعرَّض لـ”هنات غير هيّنات” في مرحلة الإعداد للانتخابات النيابيّة الأولى في عهد عون، ومنها مواجهة “التيّار” بل رئيسه بقرار من مؤسِّسه عون مرشَّح “الحزب” في جبيل وإسقاطه، ومواجهته أيضاً في بعلبك – الهرمل، وإحراجه مع شريكه في “الثنائيّة الشيعيّة” رئيس “أمل” ومجلس النوّاب نبيه برّي بتسميته “بلطجيّاً” في إجتماع غير موسَّع لمُوالين له وباعتباره الفاسد الأكبر في البلاد. وعندما احتدمت الأمور في الداخل جرّاء التشدُّد العربي – الخليجي – الأميركي مع “الحزب” وإصرار الأخير على تنفيذ استراتيجيا حليفته بل مؤسِّسته الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، وجرّاء بدء تأذّي لبنان منها في مجالين، الأوّل انقطاع المساعدات الخليجيّة وبدء العقوبات الأميركيّة جرّاء ابتعاد العهد وحكوماته عن “سياسة النأي بالنفس” التي قبلتها دول الخليج وحتّى واشنطن، وجهر وزير خارجيّته في مؤتمرات عربيّة ودوليّة بمواقف “الحزب” وراعيه الإيراني. وعندما لمس باسيل أنّ استمرار هذه السياسة سيُبعده عن الرئاسة التي يُهيّئه لها الرئيس عون، وسيُكتِّل الغرب والخليج ضدّه اعتمد سياسة اللعب على الحبال أو سياسة التوازن في المواقف بحيث يُرضي إيران و”الحزب” ويُقنع الغرب والعرب بالانفتاح عليه. إذ أنّ رئيس لبنان كان له دائماً ناخبان أميركا ودولة عربيّة. والعربيّة انتهى دورها الآن وحلَّت محلُّها إيران. طبعاً لم يُقصّر “الحزب” في إظهار امتعاضه من باسيل، وفي تقديم الشكاوى بحقّه للرئيس عون، وازداد النفور والخشية منه في أوساط كوادر “الحزب” ثمّ داخل بيئته الحاضنة، بحيث شاع موقف في الشارع يُفيد أنّ الأمين العام السيّد حسن نصرالله صار وحيداً في تأييده له أو في مُراعاة ظروفه. لكنَّه قرَّر عدم الإقدام على أي سلبيّة تجاه عون وتجاه “تفاهم مار مخايل” وإلى إعلاء سقف الانتقاد لباسيل والاعتراض عليه لمعرفته “بغرام عمِّه” فيه ولاعتباره إيّاه الوريث السياسي الشرعي الوحيد له. وكان السبب حرص على عدم فقدان حليفه المسيحي كان الأقوى ويبقى قويّاً رغم ما أصابه منذ 17 تشرين الأوّل الماضي تلافياً لوحدة ثلاثة شعوب لبنانيّة من أصل أربعة ضدَّه وضدّ شعبه.

هل يتغيَّر موقف “حزب الله” اليوم بعد مبادرة الرئيس عون العلنيّة إلى اتخاذ مواقف تتضمّن نقداً أو رفضاً لمواقف “الثنائي الشيعي” من الأزمتين الحادّتين والراهنتين الحكوميّة والوطنيّة؟ أم يتفهّمها ويتمسَّك باعتبار عون ضماناً للاستراتيجيا التي يتبنّاها “حزبه”؟ طبعاً يميل أخصام “الحزب” بل أعداؤه إلى الاعتقاد بأنّ “تفاهم مار مخايل” بدأت نهايته. لكنَّ المُتابعين من قرب حركة “حزب الله” والرئيس عون يعتقدون استناداً إلى معلوماتهم أنّ النهاية المذكورة لا تزال غير قريبة، إلّا إذا ارتكب باسيل “فاولاً” يستحيل هضمه أو قبوله، أو إذا ارتكب عمُّه الرئيس أمراً مماثلاً حماية لوريثه في رئاسة “التيّار الوطني الحر”؟ لا بل أنّ هؤلاء يذهبون أبعد من ذلك. فهم يعرفون أنّ عون يريد استعادة وهجه وشعبيّته عند المسيحيّين. ويعرفون أيضاً أن “حزب الله” لا يُمانع في ذلك بل يريده تلافياً لدفعه والتيّار إلى مواقف مؤذية له. ويعرفون ثالثاً أنّ المواقف الأخيرة لعون مُتعارضة مع مواقف “الحزب”، مثل المُداورة وعدم تخصيص الحقائب السياديّة لأي طائفة. ويعني ذلك رفضاً لتمسُّك “الثنائي الشيعي” بحقيبة المال وبالتوقيع الثالث إلى جانب التوقيعين المسيحي الماروني والسُنّي رغم عدم ورود ذلك في “اتفاق الطائف”. لكنّ “الحزب” متأكّدٌ من قدرته على الوقوف في وجه كل ذلك من دون خسارة شريكه في “التفاهم”. حتّى أنّه لا يُمانع في طرح عون إعطاء المسيحيّين وزارة الداخليّة التي يتمسَّك بها السُنّة اليوم، وهو أمر حصل. ذلك أنّه يجمع الشريكين في موقف واحد. كما أنّ تشديد عون على صلاحيّات رئاسة الجمهوريّة لا يُمانع فيه “الحزب” لأنّه يُعيد إلى “التيّار الوطني” ما فقده من شعبيّة مسيحيّة، ويُعطِّل في الوقت نفسه أي تقارب بينه وبين السُنّة والدروز. فضلاً عن أن المسيحيّين المُعادين له لا يستطيعون أن يقفوا في وجهه ولا سيّما بعدما صار الصراع المُسلم – المسيحي غير المباشر رسميّاً وعلنيّاً. كان في الماضي هذا الصراع مع السُنّة والدروز وهو اليوم مع الشيعة. وربّما يأتي يومٌ يُصبح صراعاً بين الشعوب الأربعة. في النهاية يُمكن توقُّع مزيداً من الحماوة في الشارع المسيحي. والهدف مُحاولة كل تيّار وحزب وزعامة أن تكون له الكلمة الأولى في “الكانتون المسيحي أو الولاية” عندما “تركب” الفيديراليّة حلّاً في لبنان. ويأمل المسيحيّون أن تبقى

الحماوة سياسيّة علماً أنّها قد تكون لبنانيّة شاملة.