//Put this in the section

متى تنتهي المهلة الفرنسيّة لتأليف الحكومة؟

سركيس نعوم – النهار

المعلومات التي وصلت إلى “الموقف هذا النهار” أواخر الأسبوع الماضي عن تأليف الحكومة الذي يعمل له منذ أكثر من أسبوعين الرئيس المُكلَّف مصطفى أديب لا تبدو مُطمئنة. فالمهلة التي اتّفق عليها رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون مع رئيس جمهوريّة لبنان ميشال عون كما مع قادة الطبقة السياسيّة انتهت يوم الإثنين الأسبق. لكنّ الاتصالات التي أجراها الأوّل مع الثاني كما مع رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، والتي أجراها بتكليف منه سفيره في لبنان رينو فوشيه ومدير مخابراته الخارجيّة برنار إيمييه مدّدت المهلة بضعة أيّام. رغم ذلك لم يخرج بعد “الدخان الأبيض” المُعلِن عن الحكومة الجديدة من قصر بعبدا. فهل ستُمدَّد المهلة المُشار إليها مرّة ثانية وهل تُصبح مفتوحة؟ المُعطيات المتوافرة تُفيد إلى انّ تمديدها كان لأيّام قليلة لكنَّ تطوُّراً إيجابيّاً لم يحصل خلالها. فمُدِّدت مرَّة ثانية ولأيَّام قليلّة أيضاً.




لكن رغم ذلك لم يُشِر أي شيء في مواقف القادة المعنيِّين في كل الطوائف والمذاهب بل الشعوب اللبنانيّة إلى أنَّهم تخلّوا عن التصلُّب والتشدُّد في المطالب الاستيزاريّة من حيث الشكل، لكن المُعبِّرة من حيث المضمون عن خروج لبنان من اتفاق الطائف عمليّاً، وعن دخوله جولة جديدة من الصراع على المواقع في انتظار مرحلة إقليميّة – دوليّة مؤاتية للانطلاق في البحث معاً من خلال مؤتمر تأسيسي أو أيّ صيغة أخرى عن نظام جديد قابل للحياة في البلاد، أو مؤاتية لانتظار فرض نظام عليها جرّاء اتّضاح معالم النظام الإقليمي الذي يتكوَّن حاليّاً في الشرق الأوسط. الفرق بين نظام أو صيغة من صنع محلّي ونظام وصيغة من صنع إقليميّ – دوليّ سيكون كبيراً أو على الأقل ملحوظاً. فـ”أهل مكّة أدرى بشعابها” كما قيل في الماضي السحيق. أمّا أصحاب القوَّة بالمنطقة والعالم فلا يأبهون بمعرفة أوضاع لبنان وربّما لا يبذلون جُهداً مُهمّاً للاطلاع عليها. إذ أنّهم يكتفون عادة في مفاصل من هذا النوع وعند توزيع المغانم والأسلاب (أي الدول المُتعثّرة والفاشلة والفاسدة) بإرضاء القوى الإقليميّة الكبرى رغم إسهامها الكبير في إيصال هذه الدول ومنها لبنان إلى مِحَنِهِم البالغة القسوة. وما كانت لتنجح في ذلك لو كانت شعوب لبنان بقادتها من رجال دين وسياسة وأحزاب صادقة في إقامة دولة المواطن وفي جعل الهويّة الوطنيّة أساس الانتماء إلى الدولة والولاء لها. وهي لم تكن كذلك إذ تُعطي يوميّاً الإثبات تلو الآخر على أنّ الهويّة المذهبيّة أو الطائفيّة أو الدينيّة هي الأهمّ وأنّ الولاء لها هو الأرقى.

طبعاً لا يتوقَّع حتّى غُلاة المتفائلين، علماً أنّ عددهم قلّ كثيراً في البلاد، أن يعقد النجاح في تأليف الحكومة إذا حصل نجاح في حلِّها الأزمات الكثيرة من إقتصاديّة ونقديّة وماليّة وإجتماعيّة وأمنيّة وفساد الساسة والمؤسَّسات.

لكنّهم يتمنّون أن تُهدّئ اللبنانيّين وتمكِّنهم من الانتظار وإن في حدٍّ أدنى من استمرار هذه الأزمات. وتوقُّع هؤلاء في محلِّه إذ تُشير المعلومات الواردة من باريس إلى أن المهلة الفرنسيَّة المُعطاة لرؤساء “الدول الثلاث” ولرئيس الدولة الواقعيّة المُمسكة بهم وبدُولهم وبالطبقة السياسيّة لتأليف حكومة انتهت أمس. ولم يعتقد مُتابعو عمليّة الاتفاق على الحكومة مُهمَّة وعدد أعضاء أن يُنجز هؤلاء في عطلة نهاية الأسبوع الذي انقضى ما عجزوا عنه منذ تكليف أديب تأليف الحكومة. فالحملات الإعلاميّة والتهجُّمات التي يتبادلها زعماء أحزاب وطوائف وكُتَل وبعد تحوُّل مرجعيّات دينيّة مُختلفة طرفاً فيها لا توحي بالبقاء على الصيغة والنظام المُهتَرئين (الطائف). كما لا توحي “بتأهُّل” لبنان لدخول مرحلة البحث في بديلين منهما. وتُشير المعلومات إلى أمور غير إيجابيّة بالنسبة إلى لبنان في حال انتهت المهلة فعلاً وتخلَّت فرنسا ماكرون عن دورها الحكومي التوفيقي. أوّلها إحباط من الطبقة السياسيّة والمعارضة لها في وقت واحد يشعر به الرئيس الفرنسي. وثانيها عدم إقتناعه بأنّ الرئيس اللبناني “الرسمي” قام بكل ما وعد به من أجل تسهيل ولادة الحكومة، ومباشرة العمل الفعلي لوضع لبنان وشعوبه على أوَّل طريق الإنقاذ عِبر خطوات تُنفِّذها الحكومة بموافقة الجميع، ولا لاحقاً عبر مؤتمر دعم دولي للبنان بعد شهر من بدئها عملها تستضيفه باريس، كما من خلال البحث الجدّي مع صندوق النقد الدولي للتعامل جديّاً مع لبنان في مقابل جديَّة حكومته الجديدة. طبعاً كان يعرف رئيس فرنسا أنّ أميركا لن تُشارك في مؤتمر الدعم هذا وكذلك المملكة العربيّة السعوديّة وربَّما دول خليجيّة أخرى. لكنّه كان يأمل في أنّ تُساعده شعوب لبنان ورؤسائه الأربعة والجهات التي تدعم كلّاً منها في مواجهة بعضها بعضاً. وثالثها إقتناع الرئيس الفرنسي بعدم كفاءة من يعتبره الرئيس الرسمي لدولة لبنان سنده الأوَّل ومُلهمه ومُترجم أفكاره ومُنقِّحها. وقد تأكَّد من ذلك بعد زيارة للأخير إلى باريس جزم فيها لمُحاوريه أنّ كلّ شيء سيُنفّذ كما تمّ الاتفاق عليه. لكنَّه لم يكُن صادقاً أو ربَّما لم يكن الآخرون في لبنان صادقين معه. ورابعها قرار فرنسا في حال فشل مبادرة رئيسها وقف مساعداتها للبنان سواء كانت بروتوكولات موقَّعة مع حكومته أو مساعدات ماليّة. أمّا آخر الأمور غير الإيجابيّة فهي احتمال تعرُّض لبنان إلى زعزعة أو بالأحرى إلى اضطرابات أمنيَّة جديَّة مُتنوِّعة ومُتفرِّقة من حيث المكان والزمان. هذا التوقَّع الأخير تُشارك الفرنسيّين فيه جهات عربيَّة ولا سيّما تلك التي كانت لها أدوار مُهمَّة في لبنان.

ماذا يحصل في حال تعذُّر تأليف الحكومة واعتذار الرئيس المُكلَّف؟

يعتقد مُتابعو عدد من الجهات الفاعلة في لبنان أنّ الحل – اللّاحلّ هو استمرار حكومة الدكتور حسّان دياب المُستقيلة إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. بما أنّ “الضرورات تُبيح المحظورات” فإنّها قد تضطرّ إلى تجاوز الدستور لتصريف الأعمال الذي هو مُهمَّتها “الشرعيّة” الوحيدة بعد الاستقالة. لكنَّ ذلك لا يعني أنّها ستكون قادرة على العمل الجدّي لحلّ المشكلات والأزمات الخطيرة التي تعصف بالبلاد من زمان وخصوصاً منذ 17 تشرين الأول الماضي ولمنع زعزعة الاستقرار الأمني. طبعاً لم يكن الرئيس دياب مُقنعاً في عمله ولا أعضاء حكومته. ولو كانوا كذلك لما اضطُرّ إلى الاستقالة ولما اضطَرَّ تصرُّفه غير الذكيّ رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي إلى “فرض” الاستقالة عليه، وهو لم يكن راغباً فيها. وهو لا يدري أيّاً من مُستشاريه “خرب له بيته” كما يُقال، فنصحه باتخاذ قرار إجراء انتخابات نيابيّة مُبكرة. ذلك أنَّه “نقَّز” برّي الذي اعتبر أنّه يُشارك في عمليّة انقلابيّة عليه وعلى المجلس وعلى الغالبيّة فيه، كان بدأها نوّاب ثمانية استقالوا وكان يتشاور في شأن مزيد من الاستقالات عدد من قادة الأحزاب والأطراف السياسيّين. فخشي انقلاباً ودعا إلى جلسة مُحاسبة نيابيّة تُطرح الثقة بالحكومة في نهايتها وتفشل في الحصول عليها. طبعاً لم يكن دياب ينوي الاستقالة، لكنَّ إقدام عدد من وزرائها على إعلان استقالاتهم بعد مجزرة بيروت ومرفأها لخوفهم من عبئها عليهم ومن تحميلهم بعض المسؤوليّة عنها، دفعه إلى قرار التخلّي. علماً أنّ اتصالات عدَّة أُجريت مع برّي في حينه لإقناعه بعدم طرح الثقة بالحكومة في جلسة المحاسبة أو المناقشة العامّة كما أُجريت مع دياب اتصالات مُماثلة لإقناعه بسحب الاستقالة. لكنَّ جواب برّي لم يكن مُطمئناً جدّاً. إذ نُقل عنه أنّه عند طرح الثقة ستمتنع كُتلته النيابيّة عن التصويت تاركة الحريّة للكُتَل الأخرى والنوّاب المُستقلّين. لكنّ هذا المخرج بدا مُتأخِّراً.