//Put this in the section

لماذا يتمسك حزب الله وأمل بوزارة المالية ويهددان بإفساد مبادرة ماكرون لأجلها؟

ما سر تمسك حزب الله وحركة أمل بوزارة المالية اللبنانية بطريقة تهدد مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بحشد دعم دولي مالي لإنقاذ اقتصاد لبنان المنهار؟

إذا بدا واضحاً أن حزب الله وحركة أمل يهددان بإفساد الخطة التي وضعها الرئيس الفرنسي لإنقاذ الاقتصاد اللبناني، بإصرارهما على تسميتهما لوزير المالية، وهو ما يعني نقضاً لفكرة الحكومة الجديدة برئاسة مصطفى أديب، باعتبارها حكومة من خارج الأحزاب اللبنانية التقليدية التي أوصلت البلاد إلى هذا الحال، فما سر إصرار حزب الله وحركة أمل على التمسك بوزارة المالية؟




وأصبح من تقاليد السياسة اللبنانية أن كل مكون لبناني، يعتبر نفسَه أساسياً، ينظر إلى إبعاده عن وزارة سيادية بعينها على أنه تخريب للميثاقية (الميثاق هو توافق لبناني على مشاركة السلطة بين الطوائف).

ولكن رغم تراجع أغلب القوى السياسية الطائفية عن مطالبها بوزارات معينة مازال حزب الله وأمل يتمسكان بوزارة المالية، رغم الضغوط الفرنسية.

سر تمسك حزب الله وحركة أمل بوزارة المالية اللبنانية

ينص الدستور اللبناني على أن رئيس الجمهورية يجب أن يكون مسيحياً (العُرف يجعله مارونياً)، ورئيس مجلس النواب شيعي، ورئيس الوزراء سُني، ولكن لا يوجد نص على أن وزير المالية يجب أن يكون شيعياً، ولكن هناك عُرف جديد اختُرق لفترات طويلة وهو أن وزير المالية يجب أن يكون شيعياً.

فرغم المثالثة السابقة بين الطوائف الكبرى الثلاث، فإن الشيعة يعتبرون أنهم غير ممثَّلين في رئاسة السلطة التنفيذية، بينما الموارنة لديهم الرئيس والسُّنة لديهم رئيس الحكومة (سبق أن اقترح الشيعة أن يُستحدث منصب نائب رئيس الجمهورية، ويُسند إلى الطائفة الشيعية؛ لتشترك في توقيع القوانين من خلاله).

ولتعويض الغياب الشيعي عن التوقيعات الخاصة بالقوانين والقرارات التنفيذية، جرت محاولة لتكريس عُرف بموجبه يكون وزير المال في أي حكومة، من المذهب الشيعي، بحيث يأتي توقيعه على المراسيم في المحل الرابع بالسلطة التنفيذية بعد رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزير المختص، لأن أي قرار تنفيذي يحتاج توقيع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، إذا كان له بُعد مالي (وهذا ينطبق على أغلب القرارات) يحتاج لتوقيع وزير المالية.

وهذا العرف يجسّد الطريقة اللبنانية في تسيير الحياة السياسية (أو عرقلتها إذا تحرَّينا الدقة)، فالنظام الللبناني يقوم على موافقة الأطراف الرئيسية على أي قرارات (وهذا ينطبق على معظم المناحي السياسية التي تتطلب موافقة القوى الطائفية الرئيسية).

ورغم غياب أي نص دستوري يكرّس حصرية وزارة محددة على طائفة محددة، فإن رئيس مجلس النوّاب نبيه بري، قال مراراً، إنه تم الاتفاق على أن تكون وزارة المال للطائفة الشيعية في اجتماع الطائف.

ولكن كان هناك استثناء استمر 13 عاماً

ففي أكتوبر/تشرين الأول 1992، بعد أن سمّت أكثرية المجلس النيابي الذي انتُخب للتو بعد اتفاق الطائف النائب نبيه بري رئيساً له، ورفيق الحريري لترؤُّس أولى  حكوماته، كان للحريري مطلبان: الأول أن تكون وزارة المالية من نصيبه، بينما كان الشيعة يريدونها، والثاني تشكيل حكومة بصلاحية استثنائية تقلل من سلطة البرلمان عليها.

ولكن تم رفض إعطاء صلاحية استثنائية للحكومة، فيما مُنح الحريري وزارة المالية، وكانت الحجة أنه القادر على التعامل مع المجتمع الدولي والمؤسسات المالية الدولية لإنقاذ البلاد من أزمتها المالية في ذلك الوقت، والتي شهدت تدهوراً لليرة. 

وكان ذلك بقرار من الرئيس السوري حافظ الأسد (المسيطر الفعلي على البلاد آنذاك والذي كان يرى أن الحريري هو الأنسب؛ لإنقاذ اقتصاد البلاد، رغم قلق النخبة العلوية السورية من وجود شخصية سُنية قوية كالحريري).

وعيَّن الحريري، فؤاد السنيورة وزير دولة للشؤون المالية، وهو الأمر الذي أخرج الوزارة من الحصة الشيعية وجعلها من حصة السُّنة، لاسيما تيار المستقبل الذي يُنظر إليه دوماً أنهعلى  التيار الأكثر ارتباطاً بالاقتصاد.

وحتى بعد موت الحريري ظلت خارج أيديهم

ولكن لماذا قبِل الثنائي الشيعة عدم سيطرتهما على وزارة المالية منذ وفاة الحريري عام 2005 إلى عام 2014 حينما عادت لهم مرة أخرى؟

هنا، تتعدد الأجوبة وكلها لا تقدم جواباً شافياً ومقنعاً. حتماً في المرحلة التي تلت زلزال اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لم تكن لبرّي ولا حزب الله بوادر رفع السقف. المطلوب الانحناء أمام العاصفة.

ولكن منذ عام 2014، يتمسك الشيعة بوزارة المالية، وضمّوها للأعراف القديمة في الحياة السياسية اللبنانية.

وفي حين تعمّد رئيس “التيار الوطني”، جبران باسيل، إثر لقائه رئيس الحكومة المكلف مصطفى أديب، أن يلعب ورقة “المداورة” (تداول الوزارات بين الطوائف)، محاولاً بذلك إقصاء “حركة أمل” عن وزارة المالية أسوةً بإقصاء “التيار الوطني” عن وزارة الطاقة، فقد سارع “الثنائي الشيعي” إلى طرح ميثاقية التواقيع؛ لضمان بقاء “التوقيع الشيعي” في المالية، بحجّة الحفاظ على التوازن الطائفي مع التوقيعين المسيحي والسُّنّي في مراسيم الدولة. واشترطوا أن أي شخصية شيعية ستُوكل إليها حقيبة المالية، أن تدور حكماً في فلك عين التينة وتحت وصايتها.

الرئيس اللبناني ميشال عون مع الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله/رويترز

ويفسد الموقف الشيعي التوافق الذي توصلت إليه القوى السياسية ظاهرياً على الأقل بعد تفجير مرفأ بيروت، على ضرورة تغيير نهج الإدارة السابق للبلاد.

فبعد الأزمة التي طالت الليرة وودائع اللبنانيين في المصارف، وصولاً إلى تفجير مرفأ بيروت، مروراً بارتفاع معدّلات الفقر والبطالة وغلاء الأسعار، لم يعد في الإمكان تغطية الأزمة بالشعارات والاصطفافات والمناورات والمحاصصة التقليدية.

تاريخ الثنائي الشيعي مع وزارة المالية

منذ شهر فبراير/شباط من العام 2014 وحتى اللحظة، يمسك الثنائي الشيعي بختم وزارة المالية، الذي يجعلهما أصحاب قرار تجاه كل مشاريع التحاصص في مختلف الوزارات، ذلك أن وزير المالية يوقّع على أي قرار يرتّب عقد نفقة عامة.

وبدل أن يكون علي حسن خليل، الذي أدار وزارة المالية باسم الثنائي، حامياً للمال العام ومراقباً لشفافية وقانونية عقد النفقات وضابط إيقاع القرارات المالية، أتقَنَ خليل فنَّ مساومة بقية أركان المنظومة، وتحديداً التيار العوني، ومن خلفه تيار المستقبل، حسب موقع المدن.

وعليه، لا يتمسك الثنائي الشيعي بوزارة المالية حُبّاً في الإصلاح وترتيب مالية الدولة، وإنما لمآرب أخرى، بعضها سياسي وبعضها الآخر مادي. وتجتمع المآرب تحت مظلّة واحدة، وهي تثبيت القدم بقوّة، ضمن نظام المحاصصة الطائفية، على أن تثبيت القدم يحمل رسائل للقوى السياسية الداخلية، تؤكّد صلابة المكوّن الشيعي وعدم رغبته في التخلّي عن مكتسباته ضمن المنظومة، ورسائل للمجتمع الدولي، تفيد بأن الثنائي قادر على التأثير في قرار الدولة اللبنانية حيال ترسيم الحدود البريّة والبحريّة مع إسرائيل.

بطبيعة الحال لا يحمل الثنائي الشيعي وحده مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، ولا مسؤولية انغماس وزارة المالية بلعبة المحاصصة وتخلّيها عن دورها الرقابي والمنظِّم لصرف المال العام؛ بل العكس، فإن الثنائي لا يحمل وزر التأسيس لهذا الواقع، فمَن أسس له، هو الحريرية السياسية التي تسلمت وزارة المالية منذ نهاية الحرب الأهلية حتى عام 2014، باستثناء حكومة سليم الحص التي تولّى خلالها جورج قرم وزارة المال. وبالتأكيد، لا يصحُّ الحديث عن دور الحريرية السياسية في تدمير الاقتصاد، إلا بذكر المهندس النقدي لهذا الدور، وهو حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، حسب تعبير موقع المدن.

رفيق الحريري تولي وزارة المالية عندما كان رئيساً للوزراء/رويترز

النهج الذي أرسته الحريرية السياسية، هو الذي وَضَعَ مالية البلاد في خدمة المشاريع الريعية (السياحة والمقاولات والمصارف)، ورَبَطَ عملية البحث عن قروض ودعم دولي، بمؤتمرات رهن البلاد ومؤسساتها، من مؤتمر باريس 1 وصولاً إلى مؤتمر سيدر، والركض نحو صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كلها عانت البلاد فيها شبح أزمة. ولم يكن دور الوزير الشيعي في وزارة المالية، سوى اللحاق بمشاريع من سبقوه، من دون تكبُّد عناء الإصلاح ومحاربة الفساد كما ادَّعوا.

لم يخسر الثنائي اقتصادياً من الحريرية السياسية، بل العكس، عزَّزت الحريرية موقع الثنائي في السلطة، وتحديداً حركة أمل التي أوكَلَ لها النظام البعثي السوري، وبموافقة أمريكية، مهمّة تمثيل الشيعة ضمن الهيكلية الرسمية للدولة، فيما وَضَعَ حزب الله في الجنوب كورقة ضغط على المجتمع الدولي، وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية، فيما لو حاول أحدٌ إقصاء نظام الأسد عن نفوذه في لبنان. وبطبيعة الحال، ارتضى الثنائي لنفسه هذا الدور، وكان جزءاً من الفساد.

ولكن هذا النموذج لم يعد قابلاً للاستمرار بعد سيطرة قوى 8 آذار بقيادة حزب الله على البلاد، وتراجع دور تيار المستقبل حليف السعودية والغرب، فأصبح تمويل الخليج والغرب للبنان غير ممكن، في ظل هيمنة حزب الله الذي يجاهر بالعداء للسعودية وأمريكا، على لبنان.

وزاد الوضع الاقتصادي سوءاً بالأزمة السورية وتوقُّف السياحة الخليجية إلى لبنان؛ في ظل التوتر بين حزب الله ودول الخليج والخوف من تنمُّر أنصاره بالسياح الخليجيين.

الخوف من مرحلة ما بعد نزع “المالية”

حالياً المسألة سياسية بالأساس بالنسبة للثنائي. فالضغط الأمريكي على حزب الله وحلفائه، وعلى رأسهم حركة أمل وتيار المردة، والذي تجلّى مؤخّراً بالعقوبات على وزير المالية السابق، علي حسن خليل، ووزير الأشغال العامة السابق يوسف فنيانوس، لم يكن سوى لغة سياسية فهِمَها الثنائي الشيعي، فأصرَّ على الحفاظ على نفوذه في الحكومة المرتقبة ولادتها.

اليوم، لا يصرُّ رئيس مجلس النواب نبيه بري، على وزارة المالية حرصاً على المال العام، ولا لوضع العربة على سكّة الإصلاح، وإنما لضمان الموقف الصلب سياسياً، ويخشى حزب الله تحديداً أن يكون نزع وزارة المالية من الشيعة بداية لاستهدافه.

إذ يعتبر أن الأمريكيين يصرّون على ليّ ذراعه وتهديده بإخراجه من الحكومة المقبلة، إن أراد التمرّد أكثر.

قد يكون الحل أن يتجه برّي لتسمية وزير شيعي للمالية، نظيف الكف، وغير منتمٍ إلى حركة أمل أو حزب الله، وقد لا يكون من المؤيدين المباشرين للثنائي، إذ يكفي ألا يكنّ وزير المالية الجديد العداء للثنائي، ووأن يكون ملتزماً بالعناوين الاستراتيجية.

على هذا المنوال، لا شيء سيتغيّر اقتصادياً، لا نهوض فعلياً لوزارة المالية، ولا جديّة لدى الثنائي في الإصلاح ولا لدى غيرهما من الأحزاب. أمّا الاتفاق على تسوية الخلافات السياسية، فهو كفيل بإعادة الثنائي إلى بيت الطاعة الدولي الذي تعيش تحت سقفه كل أركان المنظومة.

والآن بعدما خاف حليف حزب الله، التيار الوطني الحر، من تهديدات ماكرون وبعدما توقف رئيسه جبران باسيل عن طلباته المتزايدة باسم الطائفة المارونية، يبدو الثنائي الشيعة الآن وحدهما في هذه المعركة الحرجة.

يستغل حزب الله وحركة أمل، خوف الشيعة التاريخي من أن يهبطوا مرة أخرى إلى مرتبة الدرجة الثانية، كما كان وضعهم في بدايات وأواسط القرن الماضي، وقد يلوّحان بأن يشعلا حريقاً هائلاً لمنع ذلك، أو ترك البلاد تنهار، وهما سيناريوهان سيدفع جميع اللبنانيين ثمناً باهظاً لهما، ولا يستطيع أحد في العالم ساعتها إنقاذ البلاد، لا سيما إيران وسوريا طبعاً.. بينما المطلوب من الثنائي هو تضحية بسيطة جداً، تستغل الفرصة النادرة لدعم دولي لإنقاذ لبنان، دعم يريد المجتمع الدولي مقابله إصلاحات شكلية ومحدودة في الأغلب، ولكن حزب الله وحركة أمل لا يريدان حتى تقديم هذه التنازلات الشكلية.

يظل إصرار حزب الله وحركة أمل على السيطرة على وزارة المالية، نموذجاً واضحاً لطرق الأحزاب اللبنانية في الحفاظ على مصالحها باسم حقوق الطائفة، وفي لبنان لا شيء يعلو على حقوق الطائفة.