//Put this in the section

‘الثنائي الشيعي’ يُحرج الحريري فهل يعتذر أديب؟.. مبادرة باريس تترنح بالإشتباك الإيراني الأميركي

ابراهيم حيدر – النهار

يصرّ الثنائي الشيعي على حقيبة المال وتسمية وزرائه، وهو يعيد الأمور الى نقطة الصفر، أي العودة إلى الطريقة التي كانت تتشكل فيها الحكومات في السابق، أي بتوزيع الحصص والوزارات الأساسية مسبقاً وفق موازين القوى. وهذا الأصرار له أسبابه السياسية، إذ هو ينسجم مع الهيمنة الطائفية التي تركزت مع فائض القوة بعد عام 2008 وتحديداً بعد اتفاق الدوحة، حيث كانت للهيمنة مقدمات أبرزها تراجع السنية السياسية بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري برغم خروج سلطة الوصاية السورية، فيما فرض “حزب الله” بعد تدخله في سوريا الى جانب النظام معادلة جديدة في الداخل أصبح هو المقرر فيها على مستوى تركيبة السلطة بدعم مرجعيته الإيرانية.




ومنذ إطلاق المبادرة الفرنسية بعد انفجار الرابع من آب الماضي والكارثة التي حلت بالبلد، كان الثنائي الشيعي حاسماً بعدم التنازل عن المكاسب التي حققها خلال السنوات الماضية، وإن كان لم يمانع في السير بما طرحه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لعقد سياسي جديد. وهو أدار عملية التفاوض متمسكاً بالحقيبة ليكرس واقعاً مختلفاً بحجة أن هناك من يستهدف الموقع الشيعي، تارة بالعقوبات الأميركية وثانية بمشروع سياسي يشارك فيه أفرقاء محليون ودوليون، بمن فيهم الرئيس سعد الحريري، معتبرا الإمساك بوزارة المال كمسألة ميثاقية هو لحماية وجوده السياسي، لكنه أيضاً خط الدفاع عن الهيمنة التي تكرست في المؤسسات بفائض القوة.

يتحدث “الثنائي الشيعي” عن أن ما يجري هو لتجريده من عناصر قوته وإخراجه من الحكم، وترك الأمور لقوى أخرى لتعين الوزراء الشيعة. لكن الواقع يبدو معاكساً لوجهة النظر هذه، إذ أن الهيمنة اليوم باتت مكرسة في الحكم وداخل المؤسسات، فإذا اتخذت الأمور بعداً مذهبياً يكون الملف كله قد انتقل الى مسار آخر، فليس تكريس المثالثة هو فقط حصانة للهيمنة القائمة ضمن الحصص الموزعة، بل قوة إضافية وشرعنة لها، قبل أن يقول المسيحيون كلمتهم في الأمر، خصوصاً بعدما وافق الرئيس ميشال عون على مبدأ المداورة، برغم أن كلامه صدر قبل أن يعلن الثنائي الشيعي رفضه نزع وزارة المال منه، إلى المطالب التي عرقلت التأليف الحكومي. والأمر الذي لم يكترث له “حزب الله” هو أن التوقيع الثالث انطلاقاً من المسألة الميثاقية يكرس نوعاً من المثالثة، التي تنزع من المسيحيين صلاحيات جديدة، وهو ما أدى الى تأييد عون “المداورة” قبل أن يعود جبران باسيل ويطالب مجدداً بتسمية الوزراء المسيحيين.

وفي المقابل، تحاول السنية السياسية أن تستعيد بعض صلاحياتها في موقع الرئاسة الثالثة، فمن ذلك كان إصرار رئيس الحكومة المكلف مصطفى أديب على ان تكون حكومة اختصاصيين وعلى قاعدة المداورة، مدعوماً من رؤساء الحكومة السابقين، من دون أن يعني ذلك رفضاً للمثالثة، انما ضمن توزيع موقع الرئاسات وصلاحياتها، فإذا تكرست وزارة المال بالشكل الذي يطالب به الثنائي الشيعي، يعني ذلك مزيدا من الهيمنة على القرار مع فائض القوة لدى “الحزب”.

وأياً تكن الوجهة التي ستسلكها المفاوضات، وموقف عون الذي يريد الحفاظ على مكتسباته حليفاً لـ”الحزب” واجتناب العقوبات الأميركية المحتملة، فإن هناك من يريد ان يستثمر في المبادرة الفرنسية التي بدا أنها تترنح أمام تصلب الثنائي الشيعي، فإذا كان “حزب الله” يرى أن محاولات منعه من المشاركة الحكومية وأن الأميركيين بالتالي يضعون العصي أمام العربة الفرنسية، فإن تشبثه مع حركة أمل بحقيبة المال، وبمطالب أخرى بدا أنها تعطل أيضاً المبادرة. وفي السياق ترى مصادر سياسية مطلعة ان موقف الثنائي لا يمكن عزله عن الإيرانيين الذين يريدون تكريس ما حققه “حزب الله” من مكاسب سياسية، وبالتالي فإن تقدم المبادرة الفرنسية مشروط بتعزيز الوضع الإيراني في سياق المفاوضات المقبلة مع الأميركيين.

الوضع اللبناني اليوم كله تحت المجهر الدولي، خصوصاً بعد المبادرة الفرنسية، إذ لا مصلحة لمحور إقليمي أن يقدم تنازلات لطرف دولي من دون أن ينتزع مكتسبات مقابلة، وتفيد المصادر ان الإيرانيين لن يقبلوا بأن تصبح فرنسا المرجع الأول في الساحة اللبنانية، وان كانت طهران تريد أن تبقى على علاقة جيدة بباريس، إلا أن صراع النفوذ المباشر مع الأميركيين وعناصر القوة التي تتمتع بها إيران هي في لبنان من خلال “حزب الله”، إذ أن الساحة السورية أصبحت محطة تقاطعات اقليمية ودولية، وليست مسرحا وحيداً للإيرانيين، فإذا بلبنان يبقى منطقة صراع مع الأميركيين الذين يرفعون السقف بالعقوبات ضد “حزب الله” فيما ترد عليهم طهران بإدارة المعركة والتصلب في الداخل. وتتخوف مصادر ديبلوماسية من فشل المبادرة الفرنسية بتشكيل حكومة اختصاصيين، فإما أن تقبل ببعض شروط الثنائي الشيعي المصر على مطالبه، وإما يذهب مصطفى أديب الى الاعتذار وتبقى حكومة حسان دياب تصرف الاعمال إلى ما بعد الانتخابات الاميركية، وإذا فتحت كوة في المفاوضات بين أميركا وإيران يمكن أن تعدل عملية التشكيل الحكومي. وإلى أن يحدث ذلك قد يبقى لبنان ساحة تجاذب وصراع بين إيران “حزب الله” وبين الأميركيين الذين يفرضون عقوبات جديدة، فيصبح عندها الفرنسيون عاجزين عن تحقيق تقدم، وهو ما يترتب عليه تداعيات سلبية كثيرة حول مساعدة لبنان.

لا يتطلع “حزب الله” مباشرة الى حقيبة المال، بل يعمل بوحي مرحعيته لكسب مزيد من الوقت قبل الانتخابات الأميركية، فإذا كانت فرنسا أعطته حيزا خاصاً، فإنه بذلك يستفيد من تغطية طرف دولي كبير هو فرنسا إلى أن يحين وقت حسم الملفات الإشكالية في المنطقة. لكن فرنسا تعرف ومعها أطراف السنية السياسية ورؤساء الحكومة السابقين انه اذا أعطي الثنائي وزارة المال في هذه الحكومة، فإن الأمر يصبح تكريساً شرعياً للطائفة الشيعية، وبذلك لا يمكن الخروج مرة ثانية من هذه المعادلة التي تتكرس بالمثالثة والتوقيع الثالث، تضاف اليها الهيمنة القائمة على السلطة.

أما ما يتحجج به الثنائي الشيعي من أن حرمانه من تسمية وزرائه في حكومة اديب، هو لاخراجه تماماً من الحكومة، فإنه مجرد مناورة للاحتفاظ بالمكاسب وفي إدارة المعركة، فيعلن تأييده المبادرة الفرنسية، لكنه يعتبر حقيبة المال وتسمية وزرائه مسألة محسومة ونهائية. وهذا الموقف في اللحظة السياسية الراهنة يؤدي الى نسف حكومة مصطفى أديب ودفع الرئيس المكلف الى الاعتذار.