//Put this in the section
الياس خوري - القدس العربي

تحية إلى بيروت: مدينة الغرباء – إلياس خوري – القدس العربي

لا أدري من أين أتى محمود درويش باستعارة التفاحة لبيروت، في قصيدته التي تحمل اسم المدينة عنواناً لها. فنيويورك هي تفاحة المدن، أو هذه هي الصفة التي يطلقها النيويوركيون على مدينتهم.

صار لدينا الآن تفاحتان: تفاحة كبيرة على شاطىء المحيط الأطلسي، وتفاحة صغيرة على شاطىء البحر الأبيض. وبين التفاحتين قواسم مشتركة لا تُحصى، فهما أشبه بحيّزين خارج المكان: نيويورك، بحسب بول أوستر، ليست جزءاً من أميركا، وبيروت ليست جزءاً من لبنان، بحسب ما ترويه المدينة لتاريخها المأسوي.




تفاحتان معلقتان على غصن الاستعارة؛ تفاحتان للغواية والإبداع وسوء التفاهم: نيويورك ليست بابل وبيروت ليست سدوم؛ تفاحتان تحملان التناقضات كلها، من الجادة الخامسة إلى غرينويتش فيلدج (Greenwich Village)، ومن الحمرا والجميزة إلى الأشرفية والبسطة.

وبينما تبدو التفاحة النيويوركية محصنة وقادرة على تجاوز مأساة برجَيها اللذين تهدما في سنة 2001، تعيش التفاحة البيروتية دورات خرابها المتتالية. فالمدينتان مرآتان، وقدر المرايا أن يرى العابرون صورهم فيها، أمّا هي فلا ذاكرة لها، ذاكرتها مصنوعة من الوشم الذي يتركه العابرون على جسدها..

أدونيس بنى قبراً من أجل نيويورك، وخليل حاوي صرخ أمام الوجوه المستعارة. لا القبر كان قبراً، ولا الوجوه المستعارة كشفت أقنعتها. خليل حاوي انتحر خلال الغزو الإسرائيلي لبيروت في سنة 1982، أمّا بيروت فبقيت في عصف تاريخ يدمرها ثم يعيد تدميرها من جديد.

لكن بيروت ليست تفاحة.

تقول الحكاية إن اسم بيروت يعني شجرة صنوبر. فالصنوبر كان يزنّر المدينة ويعطيها رائحة البخور: غابات من أشجار الصنوبر تمتد إلى بحر تمخره سفن مصنوعة من خشب الصنوبر. لكن حبة الصنوبر التي صنع منها أهل بيروت مائدة لتنكيه طعامهم، ومادة لصناعة حلوياتهم، لا تصلح كاستعارة، أو هكذا افترض الشعراء. فالتفاح يحمل في داخله غواية الخطيئة الأولى، بحسب الأسطورة التوراتية، والأرز هو الشجر الذي زرعه اللـه، بحسب مزامير داود، أمّا الصنوبرة فشجرة ظلالها تكاد لا تقي من أشعة الشمس، وبخورها ومذاق ثمرتها الصغيرة يحتاجان إلى تدريب للحواس كي يُكْتَنَها.

بيروت درّبت حواسنا على التقاط الرائحة الشفيفة والنكهة الخفرة، إلّا إن رائحتها لا اسم لها تتكنّى به. كيف نطلق اسماً على رائحة لا نقبض عليها إلّا لحظة  تفلّتها من لغتنا الضيقة، لكن جميع اللغات ضيقة وعاجزة عن التقاط إيقاعات الحواس وذبذبات الروح.

ولدت بيروت صنوبرة على شاطىء البحر الأبيض. كانت مدينة أسسها أبناء جبيل، وصارت حاضرة رومانية كبرى قبل أن تدخل في سبات تاريخي طويل لم تستيقظ منه إلّا في القرن التاسع عشر، عندما تأسست المدينة من جديد بصفتها مرفأ البلاد الشامية.

مدينة حديثة بدأت بتوسيع مرفئها في أواسط القرن التاسع عشر، وتعيش اليوم لحظة شبيهة بالاحتضار، كأن الانفجار الوحشي في 4 آب/أغسطس 2020، لم يعصف بالمدينة ويدمر ما يقارب ثلثها فقط، بل جاء أيضاً ليضع خاتم النهاية على مشرق عربي قتله الاحتلال والاستبداد.

ومع أن بيروت ليست تفاحة، إلّا إن إيجاد جواب منطقي على السؤال الذي طرحه عليّ ابني، عندما كان طفلاً، كان بالغ الصعوبة.

كنا نستمع إلى مقاطع من قصيدة درويش ”بيروت”. وعندما وصلت الأغنية إلى مقطع بيروت تفاحة: ”بيروت تفاحةْ/والقلب لا يضحكْ/وحصارنا واحةْ/في عام يهلكْ/سنرقِّص الساحةْ/ونزوج الليلكْ”. قال ابني متعجباً: ”تفاحة! يعني فينا ناكلها”؟. انفجرت شقيقته ضاحكة وحاولت أن تشرح لنا أن تفاحة لا تعني تفاحة، ”يعني متل التفاحة” قالت، فازداد الأمر التباساً. قلت إن التفاحة استعارة، والاستعارة تقودنا إلى قول شيء  كي نعني شيئاً آخر.

لم نستطع أن نوضح معنى استعارة التفاحة، لكن الإيقاع الموسيقى أخذنا نحن الثلاثة إلى النشوة. فالأدب هو محاولة الالتفاف على عجز اللغة عن تسمية الأشياء عبر اختراع أسماء جديدة ملفوفة بإيقاعات الحواس واحتمالات الكلام.

لكننا رأينا الوحش يقضم الاستعارة ويمزق التفاحة.

رائحة الخمرة وهي تمتزج بالماء، والتي قال أبو نواس إنها أخذته إلى تفاح لبنان، تحتلها اليوم روائح الموت: ”سلافُ دنٍ إذا ما الماءُ خالطها/فاحتْ كما فاحَ تفاحٌ بلبنانِ”.

في 4 آب/أغسطس 2020، رأينا ما يشبه النهاية.

صار الزجاج المتشظي عيون المدينة المنثورة على الأسفلت المليء بحطام البيوت؛ الجرح ينزف في العيون، وبيروت ترى نفسها للمرة الأولى في مراياها المحطمة.

مشينا على عيون المدينة، نتلمس ببقع الدم التي نزفها ألوف الجرحى طريقنا وسط العتمة.

II

”هل بيروت جميلة”؟ سألني.

”هذا يعتمد على معنى كلمة جمال”، قلت.

”جميلة أعني جميلة، هل يمكن مقارنة عمارتها بحلب أو دمشق أو القدس أو نابلس”؟

”طبعاً لا”، أجبته.

” أين يقع جمالها إذا”؟ سألني.

كنت أمشي بصحبة مستعرب فرنسي في الشوارع الصغيرة المتفرعة من بولفار سان جيرمان في باريس، وكان الرجل الذي درس العربية في دمشق مهووساً بسحر الشام. قال أنه أصيب بخيبة أمل حين زار بيروت للمرة الأولى، باطون يعانق باطوناً، وفوضى معمارية، ومدينة يكمن جمالها الوحيد في البحر. قال إن كثيرين من أصحابه في الشام كانوا مسحورين ببيروت، لكنه شعر بنفور من هذه المدينة.

”معك حق”، أجبته، ”بيروت ليست جميلة، لكنها فاتنة.”

”فاتنة”؟ ماذا تقصد.

حاولت أن أشرح له معنى كلمة فتنة، فلم تسعفني اللغة الفرنسية.

”تقصد attirante”، قال.

”لا يا عزيزي، فتنتها هي الموضوع، وليس جاذبيتها.”

رويت له عن شجرة الفتنة التي كانت تحتل عيوننا في ”الجبل الصغير”، شجرة لا تحمل سوى زهور بيضاء ذات قلوب صفراء، ورائحتها تعطّر مساءاتنا، قلت إن بيروت تشبه شجرة الفتنة، رائحة أزهارها تفتنك، وبياضها المخملي الملون بقلوب صفراء يأخذك إلى أسرار الحب. أحسست وأنا أحدثه بأن هذا التشبيه الذي أتى عفو الخاطر، في محاولة مني لتجنّب غواية ياسمين دمشق، مطابق، ليس بسبب الزهرة بل بسبب اسمها.

”بيروت فتنة”، قلت.

من الصعب أن أشرح فتنتها أو سببه، فالمفتون لا يعرف لماذا سقط أسير الفتنة، والعاشق يداوي عشقه بكلمات يحاول عبرها أن يكتشف أسرار قلبه، فتزاد الأسرار غموضاً.

والفتنة في لغة العرب قد تكون ابتلاء، وقد تكون ذوباناً بالنار التي تجعل الذهب يلتمع، وقد تكون جنوناً وعذاباً.

لا تمتلك هذه المدينة شيئاً من أسرار جمال المدن: هي ليست طرابلس الشام المملوكية بأحواشها الساحرة، وإنما كانت في أوائل القرن التاسع عشر مجرد بلدة مهملة وصغيرة محاطة بسور مربع. كانت مدينة مربعة وضيقة، وسكانها صيادون وفلاحون. مدينة نسيت معنى اسمها، وطمرت نفسها على هامش الساحل السوري.

ومنذ الفتح المصري انقلبت المدينة رأساً على عقب، فتوسعت في جميع الاتجاهات، وصارت ميناء جعل منه الفرنسيون ميناء الداخل كله.

نَمت بيروت وصارت ولاية عثمانية، ومنذ بداية أزمنة النكبات في أواسط القرن العشرين، بدأت تستقبل الهاربين إليها.

كبرت بيروت لأنها كانت مدينة اللاجئين. هذا هو سرها.

خلال الحرب الأهلية الأولى في سنة 1860، استقبلت اللاجئين الهاربين من هول المذبحة في جبل لبنان، ثم استقبلت الهاربين من مذبحة دمشق. وجد اللاجئون إليها مدينتهم، لأنها من دونهم ما كان لها أن تصير مدينة. وتعاقبت عليها موجات اللاجئين.

الهجرة الأرمنية بعد المذبحة الأرمنية الكبرى.

الهجرة الفلسطينية بعد التطهير العرقي الوحشي في فلسطين.

هجرة فلاحي الجنوب اللبناني في الخمسينيات والستينيات، حيث نشأ حزام الفقر.

هجرة الرأسماليين السوريين والمصريين والعراقيين هرباً من قرارات التأميم.

هجرة المثقفين العرب من بلادهم بحثاً عن حرية وجدوها في المدينة.

هجرة الصحافيين العرب هرباً من القمع.

هجرات لا تنتهي وصلت إلى ذروتها في الهجرة السورية الكبرى التي صنعتها مقتلة لا سابق لها، ارتكبها النظام ضد شعب قرر أن يدافع عن حقه في الحرية والكرامة الإنسانية.

هجرات لم تتوقف صنعت من بيروت مدينة الغربة الأليفة. مدينة الغرباء الذين حولوا غربتهم إلى وطن للإبداع والتجديد والجرأة.

الشعر العربي الحديث بدأ في العراق، لكنه وجد في بيروت مجلته التي أطلق عليها مؤسساها السوريان يوسف الخال وأدونيس اسم ”مجلة شعر”. والحداثة الأدبية وجدت
في بيروت مجلتها التي أسسها سهيل إدريس البيروتي العريق، جاعلاً من ”الآداب” مجلة العرب.

النهضة المصرفية بدأت مع صيرفيّ مقدسي صنع أهم إمبراطورية مصرفية في المنطقة اسمه يوسف بيدس.

حتى نظرية لبنان، الجبل والبحر وجمهورية التجار، صاغها العراقي الأشوري ميشال شيحا.

كل شيء في بيروت صنعه بيروتيون، أكانوا لبنانيين أم غير لبنانيين، قادمون من المدن أو الأرياف.

العمارات الشاهقة التي صنعت ”طعم الأسمنت”، بنتها أيدٍ عاملة سورية.

حتى الشعوذة والسحر نشآ على يدَي الدكتور داهش، واسمه سليم العشي، الفلسطيني السرياني القادم من بيت لحم. الرجل جنّن بيروت، وأوصل رئيس جمهورية الاستقلال بشارة الخوري إلى الانهيار العصبي الذي كاد يدفع به إلى الاستقالة.

فندق السان جورج بنته عبقرية أنطون تابت المعماري اللبناني القادم من بحمدون، والذي أسس مجلة ”الطريق”، التي كانت صوت الطليعة اليسارية اللبنانية والعربية.

بيروت مدينة الجامعات والوعي الجديد والحركات الثورية، ففيها بدأ الفكر القومي العربي مع قسطنطين زريق الذي صكّ كلمة ”نكبة” التي صارت العنوان الخاص بفلسطين في اللغات كافة.

مدينة رئيف خوري وعمر فاخوري والأخطل الصغير وأمين نخلة والياس أبي شبكة ويوسف إبراهيم يزبك.

مدينة غسان كنفاني و”رجال في الشمس”.

مدينة الصحف التي كان عبد الناصر يصرّ على قراءتها مع قهوة الصباح.

مدينة كامل مروة ومدينة قاتله أيضاً.

مدينة سمير قصير التي انكتبت بحبر عشق هذا الفلسطيني – السوري – اللبناني للحرية.

مدينة الغرباء.

مدينة الجميع، أي مدينة لا أحد.

فتنة بيروت هي أيضاً بابها المفتوح على إيقاع الموج. فالبيارتة، الذين قرأنا حكاياتهم في نصوص محمد عيتاني الساخرة، عُرفوا بشغفهم بالموسيقى، كأن الموسيقى التي يعزفها الناس هي صدى الموج.

أفق بيروت أزرق، وسماؤها تحتضن بحرها في لون التبس اسمه، نسميه أخضر ونعني أزرق، أو نسميه أزرق ونعني مزيجاً لونياً خاصاً لم يعثر أحد على اسم له. هنا أمام بحرها فهمت لماذا التبس الأمر على لغتنا فأطلقت على الأزرق اسم الأخضر.

في هذا الأفق استولدت بيروت شاعرها. فحين نقول شاعر بيروت، فنحن نعني عمر الزعني، الشاعر الشعبي الذي مَوْسَق النقد السياسي والاجتماعي الساخر، والذي رأى كيف اختفى أزرق الأفق، وحل برتقالي الانفجار في مكانه، قبل أن يلتهم المدينة الأبيض الرمادي، على وقع زلزال الموت الذي ضربها.

في ذلك الزمن كتب عمر الزعني قصيدة ”يا ضيعانك يا بيروت”: ”يا مناظر عالشاشة/يا خداعة وغشاشة/يا عروس بخشخاشة/يا مصمودي بالتابوت/يا ضيعانك يا بيروت. الجهال حاكمين/والأرذال عايمين/والأنذال عايشين/والأوادم عمّا تموت. يا ضيعانك يا بيروت”.

هذا الشعر الشعبي الذي كان يُتغنى به، وجد في حسن علاء الدين (شوشو)، تجسيده على خشبة ”المسرح الوطني” في ساحة الدباس. الساحة اختفت، ومعها اختفت ذكرى مَن صرخ ”آخ يا بلدنا”.

صوت عمر الزعني كان بداية الإيقاع البيروتي الذي سيتخذ شكله السحري مع امرأة ولدت في حي زقاق البلاط في بيروت لعائلة سريانية تعود أصولها إلى مدينة ماردين. وماردين هي من الأقاليم السورية الشمالية التي سُلخت عن بلاد الشام وضُمت إلى تركيا في سنة 1923. البيروتية وابنة اللاجىء السرياني، ستصير فيروز بعد لقائها الأخوين رحباني القادمين من أنطلياس في جبل لبنان.

سحر فيروز صالَح بيروت مع لبنان، محوّلاً الصوت والموسيقى إلى بحر يتسع ليضم بين ذراعيه المشرق العربي.

III

من الصعب فهم علاقة بيروت بدولة لبنان الكبير. الجنرال غورو أعلن في الأول من أيلول/سبتمبر 1920 تأسيس دولة صغيرة بصفتها مشروعاً لتكبير متصرفية جبل لبنان. ولاية بيروت العثمانية التي كانت المتصرفية الصغيرة التي أسسها القناصل الأوروبيون في سنة 1864 تقع على حدودها، وجدت نفسها فجأة عاصمة لبلد لم تختر الانتماء إليه.

دولة لبنان الكبير نشأت على أنقاض خرابين: مجاعة كبرى أودت بثلث سكان لبنان، وانهيار المشروع الاستقلالي مع هزيمة المملكة الفيصلية أمام الجيوش الفرنسية على تخوم دمشق.

فجأة تحولت بيروت من عاصمة لولاية عثمانية أنشئت في سنة 1888، وضمت ألوية بيروت وعكا وطرابلس الشام واللاذقية ونابلس، والتي كانت مساحتها ثلاثين ألفاً وخمسمئة كيلومتر مربع، إلى عاصمة لبلد صغير اسمه لبنان الكبير!

هناك التباس تكويني في انتماء هذه المدينة، صارت في لبنان من دون أن تتلبنن، وبقيت في بلاد الشام من دون أن تكون جزءاً منها.

بورجوازيتها وتجارها بزعامة رياض الصلح وقادة الكتلة الوطنية السورية صنعوا الصفقة التي حاولت أن تزيل الالتباس من دون أن تزيله بشكل كامل، وتبلورت الصفقة في مقولة الوجه العربي للبنان، التي صارت مخرجاً سمح للبنان وسورية بنيل استقلالهما عن الانتداب الفرنسي.

لكن، وعلى الرغم من القطيعة في أوائل خمسينيات القرن الماضي، فإن بيروت بقيت في البين بين: مدينة تتجاوز آفاقها الثقافية والاقتصادية جغرافيتها،  فهي نافذة الداخل العربي على البحر، والتي تحوّل ميناؤها بعد سقوط حيفا بيد الصهيونيين إلى ميناء الداخل العربي كله.

لكن ما بدا كأنه هوية ناقصة سرعان ما تحول إلى مرآة لتناقضات المنطقة وتحولاتها كافة.

أعادت التسوية بين الغرب والعرب إنتاج المشروع اللبناني، وسمحت للمدينة بأن تكبر ويتسع دورها، بحيث انتفخ دورها الثقافي والاقتصادي. لكن هزيمة حزيران/يونيو 1967، والسلام المستسلم الذي أعقب حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، أعلنا أن زمن الحروب الأهلية العربية بدأ مع الحرب اللبنانية التي شطرت بيروت إلى نصفين.

منذ سنة 1975 لم تعد التسويات ممكنة، وهنا سقطت بيروت في الفخ اللبناني، وبدأت عملية لبننتها الطويلة والمؤلمة، والتي وصلت إلى ذروتها في انفجار 4 آب/أغسطس 2020 الإجرامي القاتل.

كانت الحرب الأهلية الطويلة إعلاناً ببداية الانهيار: لاجئون قدامى يتقاتلون مع لاجئين جدد، وطبقات عاملة وفئات مهمشة وجدت وسيلة التعبير الوحيدة عن نفسها في فوهات البنادق. نظام سياسي يقوده التجار والإقطاع السياسي تعفنت مفاصله، وصار عائقاً أمام أي تطور. فاشيون امتطوا الطوائف، وحلم فلسطيني – عربي كسرته القبائل قبل أن يأتي الاجتياح الإسرائيلي ليطرده من لبنان، ولا تُستكمل عملية الطرد هذه من دون تدخّل النظام الاستبدادي في سورية، الذي أجهز عليه. الجيش الإسرائيلي يعربد وتنطلق رصاصات المقاومة الأولى ضده في شوارع بيروت.

وبدلاً من أن تستعيد الشام مرفأها البيروتي، ذبحته بالخوات والزبائنية المتجددة، وبالتلاعب بالطوائف على طريقة الوزير العثماني فؤاد باشا. ودخلت بيروت في رقصة إعمار وحشية في ظل التوازن السعودي – السوري، وتراءى للبعض، وخصوصاً بعد طرد المقاومة الوطنية العلمانية من الجنوب، وتلزيم المقاومة لحزب اللـه، أن بيروت ستكون مزيجاً من هونكونغ وهانوي!

لكن المزيج انفجر منذ الغزو الأميركي للعراق، الذي بدأ معه انهيار العرب وعودتهم إلى زمن استعماري متجدد.

في ذلك الزمن بدا أن الاستبداد والبترو دولار أجهزا على روح المدينة. المدينة التي قاومت بثقافتها وصحافتها وحاولت أن تستعيد روحها، انهزمت أمام عجز النظام الطائفي عن بناء وطن. فبدلاً من أن تجمع البنية السياسية اللبنانية إنجازَي تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي وإجبار الجيش السوري على الانسحاب، في رؤية استقلالية جديدة، عادت إلى لعبة الارتهان للخارج في صراعات مريرة على السلطة التي أصبحت مجرد أداة نهب ولصوصية مكشوفة، جعلت من الفساد نظاماً سياسياً اقتصادياً شاملاً.

حكاية بيروت متشعبة وتحتاج إلى مؤرخ كسمير قصير أو مبدع كمحمد عيتاني كي تُكتب. لكن في 4 آب/أغسطس، حين رأينا النهاية بأعيننا، اكتشفنا أن هذه المدينة تختزن أرواحنا، وأن تاريخها الملتبس هو تاريخنا الشخصي، وأن موتها يعني موتنا كجماعة وكأفراد.

فصرخنا بالألم.

هل يستطيع الألم أن يصير لغتنا، فيكون الألم لغة بيروت التي يتردد صداها في هذا المشرق العربي الذي يُحتضر؟

IV

نيويورك شتاء سنة 2001.

وحين تأتي ذاكرة نيويورك يأتي معها صوت إدوارد سعيد، فيلتمع الذكاء، وتصير الكلمات مفاتيح العقل والروح.

كان سعيد يتحدث عن كتابه ”تأملات حول المنفى”، ويروي لنا قصص المنفيين الذين صنعوا الثقافة المعاصرة من أورباخ إلى أدورنو إلى حنة أرندت وبنيامين وجويس ودانتي… تكلم عن هجرة كونراد إلى اللغة الإنجليزية، وحدّثته عن هجرة جورج شحادة وصموئيل بيكيت ويوجين يونسكو إلى الفرنسية. كان سعيد يتحدث بلغة الاستعارة عن تجربته في المنفى، وكيف أدى منفاه النيويوركي دوراً أساسياً في بلورة نظريته عن ”ما بعد الكولونيالية”، وفي الرؤية التي صنعت كتابَيه: ”الاستشراق”، و”الثقافة والإمبريالية”.

قلت له أنني توقفت طويلاً عند تحليله للكوميديا الإلهية حين كتب: ”ومَن غيرَ منفيّ مثل دانتي، المطرود من فلورنسا، يمكن أن يجعل الأبدية مكاناً لتصفية الحسابات القديمة؟” تحدث سعيد عن المنفى والترحل، وأشار إلى أن ”الثقافة الغربية الحديثة هي في جزء كبير منها نتاج المنفيين والمهاجرين واللاجئين، والفكر الأكاديمي والنظري والجمالي في الولايات المتحدة، لم يصل إلى ما هو عليه اليوم إلّا بفضل أولئك الذين لجأوا إليها هرباً من الفاشية والشيوعية، ومن الأنظمة المجبولة على قمع الخارجين عليها وطردهم.”[1]

الحديث عن المنفى يقودنا إلى التجربة الفلسطينية المأسوية، أمّا الحديث عن الهجرة فيأخذنا إلى التجربة اللبنانية.

الفلسطينيات والفلسطينيون صنعوا في منفاهم وطناً إبداعياً، حتى الذين بقوا في فلسطين المحتلة تحولوا إلى لاجئين. أمّا الهجرات اللبنانية – السورية التي لم تتوقف منذ القرن التاسع عشر، فصنعت لغة عربية جديدة. من الشدياق الهارب من عسف الإكليروس، إلى جبران المهاجر هرباً من الفاقة والجوع.

المسافة التي تفصل اللاجىء عن المهاجر ضيقة بحيث يصعب التمييز بينهما، إلّا إذا افترضنا – وهذا افتراض يحتاج إلى بحث وتدقيق – أن المهاجر ذهب كي لا يعود، أمّا المنفي فانه يتحرق للعودة إلى المكان الذي طُرد منه.

هذا الافتراض ليس دقيقاً، فالمهاجرون اللبنانيون كانوا يشترون في قراهم قطعة أرض أطلق عليها الناس اسم العودة، والمنفيون الفلسطينيون أطلقوا اسم بلدهم ومدنهم وقراهم على المدن والأحياء التي أقاموا فيها. حدث هذا في مخيمات اللاجئين، مثلما حدث في أميركا.

هنا سألت نفسي لماذا لم أغادر بيروت؟

عشت جميع الحروب والمآسي والهزائم وخيبات الأمل؛ عشت الحلم والكابوس والخوف، ومع ذلك لم أجد في داخلي أي رغبة في مغادرة هذه المدينة.

سافرت كثيراً من بيروت، لكن كي أعود إليها؛ سحرتني نيويورك، لكنني عملت فيها كأنها امتداد لتجربتي البيروتية. ولم أطرح على نفسي يوماً سؤال الهجرة من هذه المدينة التي تثير فيّ مشاعر متناقضة.

اليوم وأنا أرى كيف يتحرق شباب لبنان إلى الهجرة، وكيف فقدوا كل بارقة حياة في مدينتهم، أعود كي أطرح على نفسي السؤال الذي لم يطرح نفسه عليّ.

أذكر كيف شعرت بالأسى، عندما بدأت أفواج المثقفين السوريين الشباب الذين لجأوا إلى بيروت، في غمرة المأساة السورية الكبرى، بمغادرة المدينة، هرباً من العنصرية والقمع والتضييق والملاحقة.

عندما غادر المثقفون العرب بيروت بعد الاجتياح الإسرائيلي، كنا على يقين بأن مقاومة الاحتلال ستعيد بيروت إلى بيروت.

لكن مع آخر الهجرات الثقافية من بيروت بدأنا نشعر بأن مدينة الغرباء دخلت في طور الاحتضار. وأن مَن يقوم بقتلها ليس عدواً أجنبياً، بل عصابات الطوائف الهمجية التي حولت لبنان إلى منهبة، وسيّدت الأوغاد على مدينتنا، بخطابهم العنصري الكريه، وبممارساتهم المنحطة ضد اللاجئين السوريين والفلسطينيين والعاملات الأجنبيات.

هكذا جرى التمهيد لمجزرة 4 آب/أغسطس.

أنا لم أغادر بيروت لأنني لم أكن في حاجة إلى منفى. مدينتي هي مدينة الغرباء والمنفيين، وأنا غريب مثلهم وأشاركهم منفاهم.

لكن هل نستطيع نحن اللبنانيين المنفيين أن نبقى في مدينة منفانا، بعدما غادرها جميع المنفيين العرب؟

لا أعرف الجواب، لكن ما أعرفه هو أن بيروت تستحق أن نموت معها، إذا لم نكن قادرين على منع الموت عنها.

V

العين نافذة الروح، ونوافذ أرواحنا تحطمت وصارت شظايا.

أين بيروت؟

كنت أريد أن أصرخ أين أنا، فخانني صوتي، وصرت عاجزاً عن الكلام. هربت الكلمات مني، ووجدتني عارياً من لغتي.

كان الناس يصرخون. سمعت كلمة آخ التي تختزن الألم والغضب والأسى.

آخ يا بيروت.

كانت المدينة تتلوى بالألم؛ مدينة مطروحة على رصيف الزمن.

هل رأيتم مدينة تبكي؟

قرأنا في كتب المؤرخين عن مآسي المدن: بغداد في زمن الاجتياح المغولي، والقدس في زمن الاجتياح الإفرنجي، وكانت الكلمات تغطي الألم لأنها لا تستطيع أن تكونه.

أمّا بيروتنا فرأيناها ترتجف مذبوحة بزجاج منازلها وحطام جدرانها. صار البيت عدواً لساكنيه، لا ملجأ أمام وحشية نترات الأمونيوم، لا شي يقينا من يد الجريمة، لا شيء.

لا البيت بيت، ولا الكلمات كلمات.

آخ يا بيروت.

نظام تهاوى على بيروت؛ نظام يموت، فقرر أن يقتل المدينة، كي لا يبقى شاهد على انحطاطه السياسي والأخلاقي.

لكن بيروت تهزأ بهم، مدينة تنظر إلى قاتليها بازدراء يستحقونه، وتلتفّ بدمارها، وتروي حكايتها.