//Put this in the section

حزب الله يرد على تكهنات بخروجه التدريجي من سوريا: حضورنا هناك مرتبط بحاجة الميدان وتطوراته ليس إلا

ابراهيم بيرم – النهار

في الأيام القليلة الماضية، بدا أن الشغل الشاغل لجزء من الإعلام الأجنبي والعربي هو سبر أغوار معلومات رشحت أخيرا فحواها أن “حزب الله” قد بادر في الآونة الأخيرة الى سحب قسم من قوات النخبة العائدة له والمتمركزة منذ أعوام على طول الميدان السوري وعرضه، إنفاذا لمهمات متنوعة على جبهة المواجهة الساخنة هناك.




وكان من الطبيعي والبديهي أن القيادة العسكرية الاسرائيلية ومعها عدد من المحللين الاسرائيليين قد استغرقوا جميعا في استكشاف حقيقة هذه المعلومات، ومعرفة مدى دقتها وصحتها، وهل هي حدث عسكري محدود مكانا وزمانا، أم هو يعدو ذلك ويتخطاه إلى مستوى التحضير للانسحاب كليا من الميدان الذي ولجه الحزب بعد ثلاثة أعوام من اندلاع المواجهات في الساحة السورية بين قوى النظام ومناوئيه الذين تمددوا بداية على طول الجغرافيا السوري حتى أنهم شرعوا في ترسيخ معلومات فحواها أن ثلث هذه الجغرافيا قد صارت تحت قبضة هيمنتهم وسيطرتهم.

ولم يعد خافيا ان ولوج الحزب معركة المواجهة الضارية تلك مع قوات رديفة وحليفة اخرى إيرانية وعراقية وأفغانية وباكستانية، قد غير في المعادلات ومن مسار المعركة، وعلى الاقل إنه كبح جماح اندفاعة الفصائل المتشددة، لا سيما بعد عاصفة السوخوي الروسية التي فرضت نفسها عنصرا قويا في المعادلة العسكرية. وعليه صار أمر بقاء قوات الحزب في الميدان السوري، لا سيما بعد انحسار رقعة المواجهات أو عودتها الى قواعدها حدثا دقيقا تحت مجهر الراصدين الكثيرين، خصوصا بعد دخول تل أبيب في خضم المواجهات عبر قصف طيرانها الحربي شبه الاسبوعي لمواقع ومناطق معينة في ضواحي دمشق، تحت ذريعة الاعتراض بالنار والقذائف على الوجود العسكري الايراني ومعه وجود الحلفاء وفي مقدمهم قوات الحزب، وذلك منعا لفرض معادلة عسكرية استراتيجية جديدة، تجعل اسرائيل تحت مرمى صواريخ هذا “العدو” الشرس من داخل الاراضي السورية، مما يعني توسيعا خطيرا ودراماتيكيا لميدان المواجهة.

ومن البديهي ان موضوع مصير مجموعات الحزب ومعسكراته الثابتة وقواعده المتحركة في الساحة السورية، فرض نفسه على المشهد السياسي والاعلامي بعد غارة نفذها الطيران الحربي الاسرائيلي قبيل اسابيع على قاعدة قرب دمشق، سقط بنتيجتها كادر مهم للحزب اسمه علي كامل محسن.

وعلى رغم أن تل أبيب تزعم أن الامر لم يكن جزءا من خطة فتح باب مواجهات مع الحزب، فإن الحزب ما لبث ان أطلق بلسان أمينه العام السيد حسن نصرالله تعهدا بالانتقام من الجانب اللبناني، وذلك بهدف مكشوف وهو تكريس معادلة عسكرية قوامها في مقابل قتلكم لعنصر من عندنا في الأراضي السورية واللبنانية، سنقتل أحد جنودكم.

ومنذ ذلك الحين، تحدث الاعلام العسكري عن محاولتين قامت بهما مجموعات الحزب لقنص جنود اسرائيليين، واحدة في مزارع شبعا، والثانية على الحدود بالقرب من بلدة عيتا الشعب، في حين أن إعلام الحزب سخف من المقولة الاسرائيلية، وقال بأن منسوب المخاوف العالي لدى جنود الاحتلال جعلهم يتوهمون ويطلقون النار عشوائيا، ويرفعون من مستوى استنفارهم وحذرهم واختبائهم خلف السواتر، فيما كرر نصرالله في إطلالة أخرى أن مجموعات الحزب معها أوامر بقنص جندي اسرائيلي عندما تجد الفرصة الميدانية المناسبة، يعني ان الامر سيتم رغم عاصفة التهديدات والتحديات التي أطلقها القادة الصهاينة متتالية منذ ذلك الحين.

ومع كل هذه المناخات المثقلة بالسخونة والمفتوحة على احتمالات التصعيد والتعقيد في أي ساعة، فإن السؤال بقي منتصبا أمام الحزب من جانب الاعلام العربي والاجنبي هل أن حقيقة في صدد فعل ميداني متحول في الاراضي السورية يعيد القسم الأهم من ذراعكم المقاتلة الى الأراضي اللبنانية؟ وقد كان هذا السؤال مقرونا بطبيعة الحال مع تحليلات وتفسيرات فحواها أن الروس أنفسهم يمارسون ضغوطا على المسؤولين السوريين والايرانيين على حد سواء، بغية خفض مستوى تواجد الايرانيين وحلفائهم هناك، لاعتبارات ميدانية وتعهدات سياسية أعطتها القيادة الروسية سابقا لأكثر من جهة، لحظة قررت الدخول عسكريا الى الميدان السوري.

أمام هذه التأويلات والتساؤلات، كان نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم مضطرا في لقاء نادر أجراه أخيرا مع مندوب تلفزيون الـ”أر.تي” الروسي الناطق باللغة العربية في بيروت للإجابة ولو بشكل مكثف عن سؤال عن حقيقة نبأ الانسحاب العسكري للحزب من سوريا، فإجاب: نحن نسحب مجموعات من عناصرنا في سوريا منذ نهاية عام 2017، وقد تم ذلك بشكل تدريجي وشمل قسما من عناصرنا الذين انتفت الحاجة لوجودهم في بعض الأماكن حيث لا يعود بحاجة الى مزيد من المجاهدين.

وأضاف: نحن موجودون (في الميدان السوري) بمقدار الحاجة، فإذا دعت الظروف الى الدفع بمزيد من المقاتلين، سنبادر الى إرسالهم، والامر في نهاية المطاف عائد الى حاجة الميدان والتطورات فيه، وليس مرتبطا إطلاقا بتسوية معينة.

وفي كل الاحوال، كانت مصادر الحزب المعنية قد اكدت مرارا أن وجود قوات الحزب في سوريا، يندرج في إطار تنفيذ مهمات يتوجب العمل على تنفيذها، بناء على الشعارات والعناوين التي سبق للحزب أن أطلقها لحظة قرر ولوج الميدان السوري.

وعموما وفق مصادر على صلة بالحزب، فإنه “خلال الاعوام الثلاثة الماضية، طرأت ولا شك تغيرات على مهمات الحزب في سوريا، لا سيما بعد تراجع العمليات القتالية”.

وتعود المصادر عينها إلى التأكيد مجددا بالمسلمة الاستراتيجية التي سبق لقيادة الحزب أن اشهرتها وهي أن انسحاب قوات الحزب من الميدان السوري مرهون بأمرين اثنين أساسيين. الاول: طلب القيادة الرسمية منا ذلك، فنحن دخلنا بالتنسيق الكامل معها، والثاني انسحاب كل القوات الاجنبية التي دخلت سوريا من دون موافقة الدولة السورية، ومن البديهي جلاء كل المجموعات الارهابية المتشددة التي تعبث خرابا وفسادا، او استسلامها للسلطات السورية المعنية.

لم يعد الميدان السوري الشغل الشاغل للحزب ولجهازه المقاتل وقيادته المحترفة، لكن الثابت أن دخوله الى الميدان السوري وتواجده هناك، قد صار جزءا من دائرته الاستراتيجية التي تخطت الحدود المعهودة وباتت أوسع.