//Put this in the section
مروان اسكندر - النهار

مخاطرة العهد بمستقبل لبنان – مروان اسكندر – النهار

الاختناق الاقتصادي وتبخّر الاحتياط بالعملات الصعبة لدى مصرف لبنان نتيجة سياسات الكهرباء مدى عشر سنين 2010-2019، أوجبا على المصارف اتّباع سياسات تعزز المخاوف على مستويين.

فالحديث عن الـ Haircut جاء متأخرا لان المصارف مارسته من قبل ولا تزال تمارسه. فمنذ فترة توقفت المصارف عن تسديد الودائع بالدولار الاميركي واعتمدت سعرين لليرة اللبنانية، اولهما 1517 ل.ل. لسحوبات الدولار اذا تجاوزت الحدود المفروضة من المصارف على حجم السحب الشهري، ومن ثم اعتماد السعر الرسمي البالغ 3980 ل.ل. للدولار، علمًا ان السعر في الاسواق غير المنتظمة يساوي 7000-8000 ل.ل. للدولار، وبالتالي كانت المصارف تحقق نظريًا عند كل سحب بتسعيرة 1517 ل.ل. للدولار ربحًا يوازي ثلاثة اضعاف ما وفرته. وعند التقيد بالسعر الرسمي كانت المصارف تحقق ربحًا موازيًا للسحوبات بمستوى 50 في المئة. واعتمادًا على هذه الممارسات اراد اصحاب المصارف تمديد فترة تقنين السحوبات من حسابات الدولار بالليرة اللبنانية، يضاف الى ذلك ان التفاوت في سعر صرف الدولار يؤدي الى تعزيز التضخم، وتالياً اختصار النفقات الى مستوى 40 في المئة عن السابق، الامر الذي يعني، ونفقات الاستهلاك تمثل 60 في المئة من الدخل القومي، ان هذا الدخل لا يتجاوز حاليًا نسبة 75 في المئة مما كان قبل سنة.




تبخر الاحتياط بالعملات الاجنبية قيّد قدرة المصارف على التسليف وعلى توفير الضمانات للاستيراد، الامر الذي اوجب على مصرف لبنان دعم تكاليف استيراد المشتقات النفطية والادوية، ومن ثم، وبسبب قرار سخيف لوزير الاقتصاد، تقرر دعم سلة غذائية، ما يعني التعجيل في استهلاك الاحتياط المتوافر لدى مصرف لبنان، والذي هو في الأساس الاحتياط المفترض تخصيصه لحقوق المودعين في المصارف. ويبدو ان عملية دعم السلة الغذائية لم تسر والحمد لله، لان سريانها كان سيؤدي الى زيادة ارباح وكلاء استيراد المنتجات لا اكثر، أي زيادة معدلات ارتفاع تكاليف المعيشة.

خفض تصنيف قدرة لبنان على الايفاء بالتزاماته بالعملات الاجنبية توالت وتضاعفت نتيجة عدم التسديد، وارتفعت المخاوف مع امتناع حكومة حسان دياب عن تسديد القسطين الاولين من فوائد قرض الاوروبوند.

ان عرقلة تشكيل حكومة من اختيار الرئيس المكلف مصطفى اديب، أقل ما يقال فيها انها عملية انتحار للاقتصاد اللبناني ومستقبل لبنان.

لبنان تطور مدى 30 سنة 1945-1975 استنادًا الى تمسكه بممارسات الاقتصاد الحر واستفادته من كفاية الفلسطينيين الذين وفدوا اليه عام 1948 على مستوى الادارة، والمصارف، والتأمين والطب والتعليم. ثم كانت سياسات التأميم المتسرعة في مصر ومن بعدها في سوريا والعراق، والتي تسببت بهجرة آلاف رجال الاعمال من البلدان الثلاثة الى لبنان ومشاركتهم في تطوير المصارف، وادخال نظام بيع الشقق بعد فرزها في المباني الكبيرة، اضافة الى استقبال لبنان خطين لنقل النفط من العراق والسعودية الى طرابلس والزهراني وانشاء مصفاتين لتكرير النفط وتدريب عدد ملحوظ من اللبنانيين على ادارة المصفاتين.

وحلّت النكبة على لبنان بتوقيع اتفاق القاهرة عام 1969 ما بين قائد الجيش اللبناني ممثلاً رئيس الجمهورية شارل حلو وياسر عرفات، والذي افسح في المجال لعمل الفدائيين الفلسطينيين من منطقة العرقوب في الجنوب، الامر الذي ادى الى استفراد لبنان في مواجهات بالغة القسوة مع الاسرائيليين منذ نهاية السبعينات (1978) وحتى حرب الـ2006 التي تسببت بمقتل 1600 لبناني ولبنانية وخسارات في منشآت التعلم، والطبابة، والتصنيع تجاوزت الـ1600 مليون دولار.

عام 1976 أُسنِدت الى سوريا حافظ الاسد مهمة وقف القتال بين الفلسطينيين واللبنانيين واستمرت حتى اواخر نيسان عام 2005 بعد اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط من ذلك العام. ومن الملاحظ ان السوريين من رجال الحكم الذين كانوا على تواصل مع رفيق الحريري منذ 1985، سواء اكانوا من مؤيديه ام مناهضيه، جرت تصفيتهم في سوريا، إما برصاص القناصين، وإما دهساً تحت عجلات السكة الحديد، وإما اصابتهم بتفجير في وزارة الدفاع حيث قضى صهر الرئيس الاسد، آصف شوكت.

بعد كل هذا أوكلنا قيادة البلد بعد عام 2010 الى ممثلي المتضامنين مع سوريا بعد تغييبها عن ادارة الشأن اللبناني، وكانت الغلطة الاخيرة اختيار حسان دياب لرئاسة الوزراء، وقد اخفق في إحراز أي تقدم، وكان يعالج المشاكل الملحّة بتعيين لجان لم نشهد انتاجاً لها، سوى الخطة الهزيلة لإنقاذ الاقتصاد اللبناني.

اليوم نتابع مجريات تأليف وزارة إنقاذية، بحسب رؤية الرئيس الفرنسي الذي زار لبنان في اليوم الثاني بعد انفجار 4 آب الذي تسبب بمقتل 180-200 من العاملين في المرفأ والساعين الى انقاذ المصابين، ومن هؤلاء خمسة من رجال الاطفاء، ومن المتخصصين في توفير العلاجات الطبية السريعة، وعاد الرئيس الفرنسي الى لبنان بعد اسبوع حاملاً معه مشروعًا للإنقاذ ووعدًا بدعم طلبات لبنان للمساعدة سواء من صندوق النقد الدولي، او السوق الاوروبية. ويبدو ان المتحكمين بتعجيز لبنان ما زالوا يراهنون على قدرتهم على افشال مساعي الرئيس المكلف مصطفى اديب سفيرنا في المانيا. وإن استطاع الرئيسان ميشال عون ونبيه بري افشال مهمة اديب فسيصاب لبنان بمرض الهزال البشري والاقتصادي للسنوات العشرين المقبلة. ألا يكفي فشل الرئيس عون في تفادي تعاظم العجز وفشل ممثل الرئيس بري في فرض رقابة حقيقية على ارقام الموازنة؟