//Put this in the section
راجح الخوري

‘ضاع شادي’ يا ماكرون! – راجح خوري – النهار

الإستشارات الرئاسية الملزمة الأولى سارعت الى تسمية مصطفى اديب بأكثرية مفاجئة 90 صوتاً، في ظل وهلة الإنفجار المروع الذي دمر بيروت، وأصاب المنظومة السياسية بالضياع، ثم جاء الرئيس ايمانويل ماكرون مرتين وانتزع تعهداً من الجميع بتسهيل تشكيل “حكومة مهمة” تنفذ برنامجاً واضحاً ومحدداً وسريعاً لبدء انتشال لبنان من الضياع النهائي. لكن المنظومة السياسية التي دمرت لبنان ونسفته وأحرقته مرة تلو المرة منذ أعوام، ستلتقط انفاسها ولن تستسلم قط، فهي تعرف ان “المهمة” هي عملية ستؤدي الى اقتلاعها وانهاء دورها وربما سوقها الى المحاسبة في النهاية، ذلك ان صراخ الثورة لن يتوقف رغم القمع والهراوات وبنادق الخردق، فقد وصلت الأمور الى حد واضح ولا مبالغة في القول:

ان اللبنانيين في مكان والقبائل السياسية في مكان آخر، ولا يمكنها ان تستمر في حكم البلد ونهبه، ولهذا بدا واضحاً انها لن تتأخر حتى عن دفع الهشيم اللبناني الى النيران المذهبية والطائفية، التي قد تشعل حرباً أهلية جديدة، إذا ادركت ان صفحتها انتهت.




ومنذ مغادرة ماكرون بُذلت محاولات للخروج من القاعدة التي حددت لحكومة المهمة، وعندما صعد اديب الى بعبدا بعد أسبوعين تقريباً، خرج ليقول كلمتين “نحن نتشاور”، ولكن من يشاور من وعلى ماذا؟ الرئيس عون يقول انه اجرى مشاورات مع الكتل لتسهيل التشكيل وعلى قاعدة ثلاثة أسئلة غريبة، لا علاقة لها اطلاقاً بالآليات الدستورية لتشكيل الحكومات، ولهذا اعترض الشارع السياسي السني معتبراً ان هذه الإستشارات الثانية، هي حلقة من حلقات تجاوز الدستور والنظام العام، فهو أقسم اليمين لحماية الدستور والإلتزام به، لكن للأسف التخبيص مستمر.

وكذلك قال السنّة ان التمسك الشيعي بحقيبة المال تحت ذرائع مختلفة غير مقبول، فلبنان أكبر واهم من أي حقيبة، والقول ان اتفاق الطائف منح وزارة المال للشيعة غير صحيح، فلقد نوقش الأمر ولم يتم الاتفاق عليه هناك.

مشاورات عون كشفت ايضاً رغبة في العودة التفافاً الى نظرية “الثلث المعطل”، إضافة الى عقدة جديدة هي ان معظم الكتل تريد تسمية وزرائها من قِبلها وليس من قِبل الرئيس المكلف نتيجة التفاوض معها، وهذا يعني اسقاطاً واضحاً وجلياً لفكرة حكومة الإختصاصيين من خارج غابة المنظومة السياسية الفاسدة طبعاً.

إذاً لقد ماتت المبادرة الفرنسية ولن تنفع تهديدات مايك بومبيو عبر “راديو فرنس” من ان “الولايات المتحدة ستمنع إيران من تزويد “حزب الله” السلاح والحصول على أسلحة روسية وصينية، ما قد يؤدي الى نسف جهود الرئيس الفرنسي في لبنان”. طبعاً كان من الواضح ان هذا الكلام الذي جاء متلازماً مع إصرار الثنائي الشيعي على وزارة المال والثلث المعطل، بدا ضمناً اشبه بمحاولة أميركية أخيرة لإزالة العراقيل من امام حكومة المهمة، لكنه حتماً لن ينفع!

إذاً عدنا الى المربع الناري الكارثي الذي أطلق مبادرة ماكرون، ويمكن القول انه الحريق الرابع الذي سيلقي لبنان كله في نيران المرفأ، بما يعني ان اديب سيحزم حقائبه ويمضي في صمت، وستواصل “تايتانيك اللبنانية” غرقها بينما قادتها السياسيون وليس ركابها كما قال عون، لاهون في الرقص على الجثث كما يقول المطران الياس عودة.

لست أدري ما إذا كان ماكرون يعرف شيئاً عن مغناة فيروز التي زارها والتي تقول: وينك رايح يا شادي … علقت عطراف الوادي وشادي راح يتفرج، وضاع شادي، والثلج إجا وراح الثلج، عشرين مرة إجا وراح الثلج وشادي يبعد بالوادي، وضاع شادي!